هل تجرّ «أرمادا» ترامب الشرق الأوسط إلى فوضى مفتوحة؟
معتمر أمين
آخر تحديث:
الجمعة 30 يناير 2026 - 7:35 م
بتوقيت القاهرة
لم يعد الشرق الأوسط يعيش على إيقاع التهديدات المؤجلة، بل دخل فعليًا منطقة الخطر. فحين تتحرك حاملات الطائرات، وتُرفع مستويات التأهب، وتُغلق الأجواء جزئيًا، يصبح السؤال الحقيقى ليس هل ستقع الحرب؟ بل متى، وبأى كلفة، وعلى حساب من؟ اليوم، تبدو المنطقة كلها واقفة على حافة قرار واحد للرئيس ترامب قد يغيّر خرائطها السياسية والاقتصادية لعقود، فى لحظة تتقاطع فيها الرؤية الأمريكية الإسرائيلية مع حسابات ردع إيرانية، فى ظل ترقب إقليمى.
على مدار الساعة تتصاعد مؤشرات الحرب، مع دخول «أرمادا ترامب» المكونة من حاملة الطائرات الأمريكية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية إلى نطاق القيادة المركزية الأمريكية، وتموضعها فى بحر العرب والمحيط الهندى. الرسالة العسكرية واضحة: خيار استخدام القوة ضد إيران لم يعد مجرد تهديد سياسى أو ورقة ضغط تفاوضية بل سيناريو مطروح على الطاولة بكل ثقله. فى الوقت نفسه، شددت إسرائيل إجراءاتها الاحترازية، من تحذير شركات الطيران إلى التلويح بتقييد المجال الجوى، فى مؤشر على أن المنطقة بأكملها تستعد لاحتمالات مفتوحة.
الأخطر أن النقاش داخل الدوائر الأمريكية والإسرائيلية لم يعد محصورًا فى «ضربة ردعية» أو عملية محدودة ضد منشآت نووية بل توسّع ليشمل فكرة أكثر جذرية، وعلى رأسها تغيير النظام الإيرانى نفسه. هذا الطموح يستند إلى قراءة تقول إن إيران تمر بمرحلة إنهاك داخلى بعد موجات من الاحتجاجات والضغوط الاقتصادية، وإن الفرصة مواتية لتوجيه ضربة قاصمة لإعادة تشكيل المشهد السياسى فى طهران. غير أن هذه القراءة تتجاهل دروسًا قريبة فى الذاكرة، من أفغانستان إلى العراق، حيث لم يؤدِ إسقاط الأنظمة إلى استقرار، بل فتح أبواب فوضى مزمنة دفعت أثمانها شعوب المنطقة أولًا، هذا لو سلمنا بأن النظام الإيرانى سيسقط، ولكن ماذا سيحدث لو تماسك؟
على التوازى، تتحرك تركيا وكأنها تحسب حساب «اليوم التالى» لأى انهيار محتمل داخل إيران. الأخبار المتداولة عن إنشاء منطقة عازلة على حدود تركيا مع إيران لاسيما قرب تبريز تعكس مخاوف أنقرة من موجات لجوء ضخمة. كما يعكس الرغبة فى تثبيت موطئ قدم فى المناطق الأذرية الإيرانية إذا ما ضعفت الدولة المركزية الإيرانية. فتاريخ المنطقة يشير إلى أن انهيار الدول الكبرى لا يترك فراغًا بل يستدعى سباقًا إقليميًا محمومًا لملئه، وهو ما يفسر أيضًا قلق موسكو من أى تغير جذرى فى شمال غرب إيران قد يفتح ممرات نفوذ أطلسية تمتد من تركيا وأذربيجان إلى عمق القوقاز وآسيا الوسطى.
• • •
فى المقابل، ترفع طهران خطابها إلى أقصى درجات التصعيد، ملوّحة بورقتها الأكثر حساسية: مضيق هرمز. فالمضيق ليس مجرد ممر مائى، بل شريان حيوى تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية. إيران تدرك أن تهديد هذا الممر يربك خصومها ويضغط على الاقتصاد العالمى بأكمله. المناورات البحرية، والحديث عن السيطرة على المضيق سطحًا وعمقًا، ليس استعراضًا دعائيًا فقط بل جزءًا من معادلة ردع تحاول طهران فرضها فى مواجهة التفوق العسكرى الأمريكى.
لكن معضلة هرمز تكمن فى أنه «عنق زجاجة» شديد الخطورة على الجميع. صحيح أن إيران تملك وسائل تعطيله، من ألغام وصواريخ وزوارق سريعة، لكن إغلاقه الكامل سيحوّل المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة، تتجاوز حدود الصراع الأمريكى-الإيرانى. لذلك تميل واشنطن عمليًا إلى إدارة أى مواجهة من مسافات أبعد، معتمدة على الضربات الجوية والعقوبات، بينما تستخدم طهران التهديد بالإغلاق كسلاح سياسى ونفسى أكثر منه خيارًا ميدانيًا فوريًا، مدركة أن أول من سيتضرر هى الاقتصادات الآسيوية، وعلى رأسها الصين.
وسط هذا المشهد، تحضر الصين لاعبًا صامتًا لكنه شديد التأثير. راكمت بكين، خلال السنوات الأخيرة، مخزونًا نفطيًا ضخمًا بمئات الملايين من براميل النفط يمنحها هامش مناورة واسعًا فى حال اضطراب الإمدادات. هذا الاستعداد يجعلها أقل تضررًا من غيرها من أى صدمة نفطية، بل وربما قادرة على استثمار الأزمة لتعزيز موقعها الاقتصادى عالميًا. من هنا، لا تنظر الصين إلى إيران فقط كدولة تحت العقوبات، بل كحلقة مهمة فى شبكة مصالح أوسع تمتد من الخليج إلى المحيط الهندى.
يزداد المشهد تعقيدًا لأن إيران ليست عقدة طاقة فحسب، بل عقدة جغرافية سياسية. نفوذها يمتد عبر شبكة من الحلفاء من العراق إلى لبنان واليمن. لقد لوح الحوثيون، على سبيل المثال، بإمكانية إعادة إشعال البحر الأحمر وباب المندب إذا تعرضت إيران لهجوم واسع، ما يهدد حركة التجارة العالمية وقناة السويس مباشرة. وهنا يصبح أى تصعيد فى الخليج أزمة ملاحية عالمية جديدة لا تقتصر آثارها على المنطقة وحدها.
• • •
غير أن العنصر الأكثر حساسية فى المعادلة الراهنة يتمثل فى التأثير على دول الخليج، التى تجد نفسها اليوم على حبل مشدود بين تحالف تاريخى مع الولايات المتحدة، وخطر التحول إلى ساحة مواجهة مباشرة إذا انفجرت الحرب. فبالرغم من قدرة إيران على استهداف حاملات الطائرات الأمريكية إلا أنها تدرك الكلفة السياسية الهائلة، ومن ثم الأرجح أنها ستربط بين أى ضربة كبيرة تتعرض لها وبين استهداف مباشر للبنية النفطية الخليجية، من الحقول والموانئ إلى خطوط النقل. هذا يعنى أن أى حرب واسعة لن تكون شأنًا أمريكيًا-إيرانيًا فقط، بل تهديدًا مباشرًا لقلب الاقتصاد الخليجى.
لهذا السبب، أعلنت السعودية والإمارات بوضوح رفضهما استخدام أراضيهما أو أجوائهما فى أى عمل عسكرى ضد إيران. هذا الموقف لا يعكس حيادًا بقدر ما يعكس إدراكًا عميقًا لحجم المخاطر. فى الوقت ذاته، تتحرك العواصم الخليجية بهدوء لتقليل احتمالات الانفجار، ومحاولة حصر أى مواجهة، إن وقعت، فى نطاق محدود لا يدفع طهران إلى استخدام كل أوراقها دفعة واحدة.
فى الخلفية، يواصل الرئيس ترامب استخدام لغة ما قبل الحرب، متحدثًا عن «أرمادا» وضربات حاسمة، مأخوذًا بنشوة ما يعتبره إنجازًا فى فنزويلا. ولكن الأمر المثير للدهشة هذه المرة أن الولايات المتحدة شبه وحيدة فى حمل عبء حرب اختيارية جديدة ضد إيران. فالحلفاء مترددون، أو غائبون، ولا يشاركون بقوات مثل حرب يونيو الماضى. إضافة إلى أن الداخل الأمريكى منقسم حول الضربات، والاقتصاد مثقل بالديون. والسؤال هنا ليس فقط هل تستطيع واشنطن بدء الحرب، بل هل تستطيع تحمّل كلفتها السياسية والاقتصادية والعسكرية إذا طال أمدها؟
تتابع القاهرة هذا المشهد الدرامى بهدوء وتدرك أن أى انفجار واسع بين واشنطن وطهران لن يتوقف عند الخليج، بل سينعكس فورًا على البحر الأحمر وقناة السويس، وعلى استقرار الإقليم بأكمله. كما سيؤثر على توازنات القوة مع إسرائيل المتمسكة بمشروع التهجير من غزة وتصفية القضية الفلسطينية! ومن ثم قد تنفتح القاهرة على توازن جديد يجمع السعودية وباكستان، مع تركيا لإحداث توازن فى حال تصدع أو تراجع الدور الإيرانى.
باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية