خسائر أمريكية جراء الحرب الإيرانية

بشير عبد الفتاح
بشير عبد الفتاح

آخر تحديث: الإثنين 30 مارس 2026 - 7:00 م بتوقيت القاهرة

بتنسيق مع إسرائيل، شن الرئيس الأمريكى حربه الثانية على إيران يوم 28 فبراير الماضى، متذرعًا بتحرير الشرق الأوسط من التهديد والابتزاز النووى، بينما تقترب إيران من امتلاك أسلحة نووية وصواريخ باليستية بمقدورها الوصول إلى نيويورك وواشنطن. لكن بعد أكثر من شهر على اندلاع الضربات الموجعة التى أنهكت قدرات إيران العسكرية والاقتصادية وأغدقت أرباحًا طائلة على شركات الطاقة الأمريكية، لا تزال الأهداف المعلنة للهجوم عصية على البلوغ. فيما بدأت ارتداداتها السلبية المباشرة على الولايات المتحدة فى الظهور تباعًا. ومن أبرزها:


تآكل شعبية ترامب: حيث تظهر نتائج أحدث استطلاعات الرأى تراجع شعبية ترامب إلى 36%، مع رفض 59% من الأمريكيين حربه على إيران، التى تستنزف مقدرات بلادهم العسكرية والاقتصادية. وفى مسعى منه لتهدئة مخاوف الجمهوريين من فقدان أغلبيتهم بمجلسى الكونجرس إثر انتخابات التجديد النصفى المزمع إجراؤها فى نوفمبر المقبل، أكد الرئيس الأمريكى أنه سيدعم الحملات الانتخابية لمرشحى الحزب، بغية رفع حصيلة مقاعد الجمهوريين فى المجلسين.
اهتزاز البترودولار: بينما ظل نظام «البترودولار»، السائد منذ عام 1974، محركًا خفيًا للازدهار الأمريكى، يتخوف مراقبون أمريكيون من أن تعجل حرب إيران الحالية بتحول جيواقتصادى يوطئ لأفول عصر «البترودولار» لصالح بزوغ حقبة «البترويوان»، بحيث يتم قياس وتسعير وبيع وشراء النفط العالمى باليوان الصينى بدلًا من الدولار الأمريكى. إذ تعصف الحرب بالركيزتين اللتين تأسس عليهما نظام البترودولار، وهما: الاستقرار والتعاون. فبإصرارها على توظيف آلتها العسكرية لفرض السلام بالقوة، تدفع إدارة ترامب خصومها، بل وحتى بعض حلفائها الحذرين، نحو التماس بدائل الدولار. وحينما تستخدم واشنطن الدولار سلاحًا جيوسياسيًا عبر العقوبات وتجميد الأصول، فإنها تجرده من حياديته، بما يدفع دولًا عديدة نحو استكشاف مسارات وقف «الدولرة». فقد دفعت أنظمة العقوبات الممتدة، التى هندستها واشنطن إزاء كوبا وفنزويلا وروسيا وإيران، الدول المنتجة للنفط إلى بيعه بعملات أخرى مثل اليوان والروبية واليورو، حتى بات خمس تجارة النفط العالمى يتم فى الوقت الراهن باليوان الصينى. وفى مواجهة سياسة «الضغوط القصوى»، التى حوّلت نظام «سويفت» المصرفى إلى سلاح موجه ضدها، تتجه طهران تدريجيًا نحو اقتصاد غير مقوم بالدولار، إذ سعت إلى بناء شبكات مالية موازية عبر الارتباط بنظامى «CIPS» الصينى و«SPFS» الروسى كبديل آمن عن «سويفت» الغربى. ومن خلال إطلاق بورصة نفطية للتداول بعملات بديلة، وتعميق تحالفها مع تكتل «بريكس»، بدأت إيران بيع حصة معتبرة من خامها باليوان الصينى، كما تحاول إحكام سيطرتها على مضيق هرمز وتحصيل رسوم العبور منه باليوان.


اهتزاز موثوقية واشنطن كحليف: طرحت الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على طهران، وما استتبعته من عدوان إيرانى على دول الخليج العربية، تساؤلات بشأن جدوى الشراكات الاستراتيجية التى تجمع الأخيرة بواشنطن، حيث زعزعت الثقة بها باعتبارها الدرع الأمنى وصمام الأمان فى وجه التهديدات الإيرانية على مدار العقود الماضية. وقد انسحب الأمر ذاته على التحالفات العسكرية بين الولايات المتحدة ودول شرق وجنوب آسيا، التى طفقت تتساءل بشأن موقف واشنطن فى حالة تعرض تلك الدول لهجوم من الصين أو كوريا الشمالية.


تراجع الجهوزية العسكرية الأمريكية: فقد حذرت دراسة حديثة لمكتب المحاسبة الحكومى الأمريكى من انكماش تلك الجهوزية على مدى العقدين الماضيين جراء صعوبة الموازنة بين الطلب العملياتى والتحديث والاستدامة. فمنذ بدء حرب أوكرانيا عام 2022، ثم العدوان الإسرائيلى على غزة فى العام التالى، وصولًا إلى حربَى إيران الأولى والثانية، سحبت الولايات المتحدة من مخزوناتها منظومات تسليحية بمليارات الدولارات تتضمن أنظمة مدفعية وذخيرة وصواريخ مضادة للدبابات. وعلى وقع ذلك لجأ البنتاغون إلى وسيلتين لملء العجز: أولاهما زيادة إنتاج الذخيرة ضمن حالة «الاستعداد للحرب»، إذ توصل إلى اتفاقيات إطارية مع شركات «بى. إيه. إى سيستمز» و«لوكهيد مارتن» و«هانيويل» لزيادة إنتاج عدة أنظمة دفاعية وذخيرة. وبموجبها ستقوم «هانيويل أيروسبيس» بزيادة إنتاج المكونات الضرورية لمخزونات الذخيرة، فيما ستضاعف شركتا «بى. إيه. إى سيستمز» و«لوكهيد مارتن» إنتاج أجهزة التوجيه الخاصة بصاروخ «ثاد» الاعتراضى بمقدار أربعة أمثال. بينما ستسرع شركة «لوكهيد» من إنتاج صاروخها من طراز «بريسيجن سترايك» للضربات دقيقة التوجيه، أما «هانيويل» فستفاقم إنتاج أنظمة الملاحة ومحركات توجيه الصواريخ ومنتجات الحرب الإلكترونية. أما ثانيتهما فتتجلى فى سحب أصول قتالية تضم منظومات دفاعية صاروخية وقوة بحرية ــ برمائية متقدمة من مسارح أخرى لإسناد الحرب ضد إيران؛ حيث أكدت تقارير عسكرية نقل واشنطن بطاريات صواريخ «باتريوت» من كوريا الجنوبية إلى المنطقة، فيما اتجهت مجموعة السفينة الهجومية البرمائية «تريبولى» المؤلفة من ثلاث سفن ونحو 2200 من المارينز إلى الشرق الأوسط مع عناصر من الوحدة الـ31 الاستكشافية البحرية من أوكيناوا اليابانية. وبينما تشكل جميعها أهم أدوات الاستجابة السريعة الأمريكية فى غرب المحيط الهادئ، يحذر الخبراء من تأثير تعدد الجبهات على الجهوزية والردع فى مواجهة الصين، وهو الأمر الذى تراقبه بكين بينما يخشاه حلفاء أمريكا فى طوكيو وتايبيه وسيول. إذ ينال التناقض بين خطاب تقليص الانخراط ووقائع التوسع العملياتى من صدقية «الأولوية الآسيوية» لدى واشنطن، خصوصًا مع إعادة توجيه أداة ردع كاملة من بؤر حساسة إلى أخرى. فقد أوردت صحيفة «واشنطن بوست» أن حرب إيران أدت إلى «تآكل ردع أمريكا للصين»، لأن الموارد المستهلكة فى الشرق الأوسط من صواريخ الدفاع الجوى إلى المدمرات وناقلات التزود بالوقود وحتى وسائط الاستطلاع، تغدو غير متوفرة لمسرح المحيط الهادئ. وتخشى تايوان، التى تراهن على استراتيجية «الردع الفعال» حيال الصين، أن يفضى التشتيت الاستراتيجى الأمريكى إلى تقويض الجهوزية الأمريكية لأية مواجهة مستقبلية مع بكين. بموازاة ذلك، نقلت «واشنطن بوست» عن مصادر مطلعة أن البنتاجون يدرس إمكانية تحويل منظومات تسليحية كانت موجهة لأوكرانيا إلى الشرق الأوسط، وذلك نتيجة استنزاف حرب إيران معظم الذخائر العسكرية الأمريكية، لا سيما الصواريخ الاعتراضية التى تم توفيرها عبر مبادرة أطلقها حلف «الناتو» العام الماضى لشراء أسلحة أمريكية لحساب كييف.


تسريب التكنولوجيا العسكرية الأمريكية: إذ تتخوف واشنطن مما تعتبره السيناريو الاستراتيجى الأسوأ، والمتمثل فى تسرب التكنولوجيا العسكرية الأمريكية المتقدمة أثناء المواجهات المسلحة إلى التحالف المناهض لها، المتمثل فى إيران وروسيا والصين وكوريا الشمالية.

حيث تخشى واشنطن قيام إيران ووكلائها وحلفائها بالاستفادة من الذخائر الأمريكية غير المنفجرة، التى تسقط فى إيران أو الساحات المرتبطة بها، عبر اصطيادها وإخضاعها لعمليات «الهندسة العكسية» للحصول على أسرارها التقنية، التى تتيح صناعة أو تطوير منظومات تسليحية دقيقة وفائقة التطور، أو رفع كفاءة وفعالية أسلحتها منخفضة التكنولوجيا والتكلفة، مستعينة بما تحتويه تلك الذخائر من تقنيات التوجيه المتقدمة والأنظمة الإلكترونية المعقدة والمواد المركبة، فضلًا عن الوصول إلى أنظمة مقاومة التشويش على GPS والرقائق الإلكترونية الدقيقة. وجميعها تقنيات استثمرت واشنطن فيها مليارات الدولارات، واستمرت جهودها العلمية والعملية دهورًا من أجل ابتكارها وتطويرها.


وتستند مخاوف واشنطن إلى سوابق لبلدان استغلّت بقايا الأسلحة الغربية لتطوير برامجها للصناعات العسكرية، كمثل روسيا فى أوكرانيا وسوريا، وكذلك الصين فى مشاريع «الهندسة العكسية» للمعدات الأجنبية. من جهة أخرى، تخشى واشنطن استخدام إيران تلك الذخائر غير المتفجرة لأغراض دعائية تهدف إلى تشويه سمعة المنظومات التسليحية الأمريكية باهظة الثمن، أو توظيفها كأداة ابتزاز استراتيجى فى أية مفاوضات مع الأمريكيين. لذا تعمل المجمعات الصناعية العسكرية الأمريكية على دمج آليات التدمير الذاتى فى الذخائر المتقدمة، بحيث تصبح المكوّنات الحساسة غير قابلة للاسترجاع حال عدم انفجار تلك الذخائر. إذ أعلن «البنتاجون» أنه بصدد تصميم أنظمة مُشفّرة وقادرة على التعطيل عن بُعد فى الأجيال القادمة منها.


تعاظم مغانم خصوم واشنطن: تحت ضغط ارتفاع أسعار النفط والغاز، اضطرت واشنطن للسماح بتصدير النفط الروسى والإيرانى لمدة شهر بغرض تخفيف ذلك الضغط، الأمر الذى يوجه ضربة لاستراتيجية واشنطن الرامية إلى محاصرتهما، إذ سيوفر للبلدين تدفقات مالية هائلة فى ظل الأسعار المرتفعة حاليًا. بدورها، برزت الصين كأحد أبرز المستفيدين من الأزمة، بعدما تمكنت من بناء احتياطيات نفطية ضخمة عبر شراء النفط الإيرانى والروسى والفنزويلى بأسعار منخفضة جراء العقوبات الغربية، الأمر الذى منحها مزايا على شاكلة تأمين الإمدادات وتقليص الصدمات المرتبطة بتعثرها، خفض كلفة الإنتاج وزيادة التنافسية الصناعية. وتسهم الحرب فى إعادة توجيه تدفقات التجارة العالمية نحو بكين، فمنذ اندلاعها سجل قطاع البطاريات والطاقة المتجددة الصينى قفزات سوقية قياسية، محولًا الأزمة الدولية إلى فرصة استراتيجية لتعزيز هيمنة «التنين الصينى» على مصادر الطاقة البديلة، ما يعزز موقع الصين كمركز حيوى فى سلاسل الإمداد. كما توفر الأزمة فرصًا استثمارية طويلة الأجل للشركات الصينية لتوسيع حضورها بقطاعات الطاقة والبنية التحتية، فى ظل تراجع الشركات الغربية نتيجة المخاطر السياسية.


فى المقابل، تزعم تقارير استخباراتية غربية تقديم روسيا معلومات استخباراتية مهمة لإيران، تشمل صور أقمار اصطناعية وبيانات، علاوة على طائرات مسيّرة وأدوية ومواد غذائية، الأمر الذى مكنها من استهداف أصول عسكرية أمريكية فى المنطقة. بموازاة ذلك، تدعى مصادر أمريكية أن «CMIC»، أكبر شركة لتصنيع الرقائق الإلكترونية فى الصين، أرسلت معدات لتصنيع الرقائق إلى الجيش الإيرانى، كما وفرت تدريبًا فنيًا على تكنولوجيا أشباه الموصلات التابعة للشركة، وقد تلقى المجمع الصناعى العسكرى الإيرانى تلك المساعدات وبدأ استخدامها فى تصنيع الأجهزة الإلكترونية.


تصدع نظام منع الانتشار النووى: تدفع الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران، فى ظل نظام عالمى يتجاهل القواعد ويجافى الشرعية الدولية، نحو تزايد النزعة العسكرية والنهم لامتلاك أسلحة الدمار الشامل توسلًا للردع. فبعدما اتهمت واشنطن بارتكاب «أعمال إرهاب وعدوان برعاية الدولة»، أكد زعيم كوريا الشمالية صوابية رفض بلاده ما وصفه بالضغوط الأمريكية لحملها على التخلى عن ترسانتها النووية، حيث يعزز الصراع مع إيران اعتقادًا راسخًا بأن الدول التى لا تمتلك أسلحة نووية تبقى عرضة للعدوان الأمريكى. وبعدما بثّ التليفزيون الرسمى الإيرانى مقابلة مع المعلق المحافظ ناصر طرابى، ألمح خلالها إلى مطالبة الرأى العام بالتحرك نحو امتلاك سلاح نووي، سواء عبر التصنيع أو من خلال طرائق أخرى. يدرس البرلمان الإيرانى دعوات للانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووى للعام 1968، وإذا ما تسنى لإيران حيازة أسلحة نووية، ستلجأ دول عديدة فى الإقليم للحاق بها ابتغاء الردع، ما يطلق العنان لتأثير «دومينو» ينذر بولوج العالم نفقًا مظلمًا لسباق تسلح كارثى، يوطئ لحقبة كابوسية من «الوفرة النووية» غير المسبوقة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved