حوار مفتوح - من يقود الأمة نحو عمل عربى مشترك؟ المدخل الوظيفى

أحمد عبدربه
أحمد عبدربه

آخر تحديث: الجمعة 5 يونيو 2020 - 5:44 م بتوقيت القاهرة

كلمة "الشروق"

في مواجهة التحديات والعقبات التي تمنع انطلاق مرحلة إيجابية جديدة في العمل العربي المشترك، دعت "الشروق" عددا من الكتاب والمفكرين والمتخصصين العرب لإجراء حوار بشأن الشروط التي يجب توافرها في دولة أو ائتلاف عربي، يتولى مهام القيادة في النظام العربي ويتغلب على هذه التحديات. وكان أول من استجاب لدعوتنا المفكر العربي الكبير ووزير التربية والتعليم الأسبق في دولة البحرين الدكتور علي فخرو.
وبطبيعة الحال فإن الآراء المنشورة في سلسلة مقالات "حوار مفتوح - من يقود الأمة نحو عمل عربي مشترك؟" تعبر عن اصحابها فقط وليس عن وجهة نظر "الشروق".
 

 

هل ما زلنا نؤمن بالمشاريع القومية العربية؟ أدعى أن قطاعا كبيرا من النخب السياسية والاقتصادية العربية، بالإضافة إلى قطاع آخر كبير من المواطنين العرب، قد فقدت لديه المشاريع القومية العربية زخمها لتستبدل بمشاريع وطنية (قاصرة على الدولة القومية)، يغلب عليها الطابع المصلحى الذاتى فى إطار رغبات لإيجاد شركاء دوليين لتنفيذ هذه المصالح.
ورغم ذلك، فلا أعتقد أن النظام العربى قد فقد أهميته بعد رغم كل ما ألم به من عثرات على مدى العقدين الأخيرين، فما زالت عوامل اللغة والتاريخ والجغرافية تشكل هوية مشتركة يمكن البناء عليها لإعادة إحياء هذا النظام العربى، ولكن على أسس مختلفة تماما عن حلم القومية العربية الذى عرفناه فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى.
***
فى هذا السياق، أثار المقال المهم الذى كتبه الوزير والسفير السابق على محمد فخرو على صفحات «الشروق» يوم 27 مايو والمعنون «حوار مفتوح: من يقود الأمة نحو عمل عربى مشترك، أسئلة لمن يريد القيادة» العديد من الأسئلة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمن يطمح فى منصب قيادة عمل عربى مشترك.
والحقيقة ورغم أن الأسئلة التى طرحها المقال مهمة وتشتبك مع عدد كبير من معضلات العمل العربى المشترك، إلا أنها نابعة من التصور التقليدى لماهية المشروع القومى العروبى باعتباره مشروعا قياديا لتحقيق مصالح الأمة، وأختلف قليلا مع فهم ماهية العمل العربى المشترك ونحن فى بداية العقد الثالث من القرن الحادى والعشرين، فبعد أن نأخذ فى الاعتبار كل التطورات السياسية والاقتصادية والثقافية التى طرأت على نخب وشعوب ومؤسسات الدول العربية خلال العقود الأخيرة، سنجد أن إعادة إحياء المشروع القومى العروبى بشكله القديم يكاد يكون مستحيلا للعديد من الأسباب التى لا تتسع لها المساحة المخصصة لهذه المقالة، ولكن يمكن سرد أهمها وهى:
(1) إسرائيل لم تعد العدو المشترك، وأنا هنا أقر حقيقة لا أدعم مبدأ! بعبارة أخرى قوة المشروع العروبى التقليدى كانت فى الاتفاق على تعريف العدو، لكن الآن تبدلت الأمور والعديد من النخب السياسية لم تعد ترى العدو كما رآه عبدالناصر ورفاقه منذ عقود، فالقضية الفلسطينية أصبحت الآن قضية دولية إنسانية، أكثر منها قضية عربية قومية.
(2) ضمور نموذج دول التحرر الوطنى، فعدد كبير من الدول العربية وخاصة تلك التى قادت المشروع العربى القومى كانت تعتمد هذا النموذج القائم على خطاب معادٍ للقوى الغربية الاستعمارية، الداعى للتأميم الاقتصادى والثقافى والاجتماعى والسياسى، المتعهد برعاية المواطنين وتولى شئون معيشتهم، كل هذا تغير، فعدد كبير من الدول العربية تتبع النموذج الرأسمالى الريعى / الزبائنى وهى فى هذا مرتبطة بشدة بحركة الأسواق العالمية والأهم أنها ملزمة بترتيبات المنظمات الدولية فيما يخص نظمها الاقتصادية ومن ثم الاجتماعية والثقافية ومن هنا فالنموذج الاستقلالى المعادى للغرب الاستعمارى الإمبريالى التوسعى قد اختفى تماما.
(3) انحيازات الجيل الثالث من القادة العرب مختلفة تماما عن انحيازات الجيل الأول، فجل الاهتمام هو تحقيق الأمن القومى بمعناه الضيق وتعضيد الشرعية السياسية بمزيد من الإجراءات التصادمية القمعية مما يجعل ذلك الحوار بين القائد والشعب وذلك التضامن بين النخبة السياسية الوطنية وبين عامة المواطنين والذى كان مشكلا للمشروع العروبى فى صورته الأولى مستبعدًا الآن.
(4) وأخيرا وفى ظل تناحرات طائفية تنخر فى عدد كبير من الدول العربية، أصبح العالم العربى منقسما إلى أكثر من جبهة، وهذه الجبهات الطائفية ليست متطابقة مع الحدود القومية ولكنها تتقاطع مع مجموعات دينية وعرقية ولغوية وهو ما أدى إلى ليس فقط إلى تقويض النظام السياسى العربى التقليدى ولكن أيضا إلى تقويض الهويات الوطنية التى تشكلت فى خمسينيات وستينيات القرن العشرين وحولتها إلى هويات بدائية دون قومية أو عابرة للأخيرة.
وإذا ما أخذنا فى الاعتبار ما ألم بالعمل المؤسسى الإقليمى العربى (جامعة الدول العربية) من عطب أطاح بأى إمكانية لصنع قرار قومى مشترك، فمن هنا علينا إعادة طرح مدخل مختلف لتصور العمل العربى المشترك، والمدخل الذى اقترحه فى هذه السطور هو المدخل الوظيفى الذى قامت عليه التجربة الأوروبية الأكثر نجاحا حتى الآن فى دمج السياسات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسياسية.
***
المدخل الوظيفى الذي أطرحه لا يغازل كثيرا المشتركات الهوياتية مثل اللغة أو الدين وإن كان يضعها فى الاعتبار، بقدر ما يغازل المصالح والاحتياجات المشتركة للدول المعنية. ومن هنا تطرح النظرية الوظيفية للعلاقات الدولية إنشاء سلطة عابرة للقومية مبنية على ثلاثة أضلاع، الضلع الأول هو مصالح واحتياجات الدول التى شكلت هذه السلطة، والضلع الثانى هو أن قدرة وشرعية هذه السلطة فوق القومية على الاستمرار لا ترتبط بالأساس بعملية القمع والردع كما هو الحال فى سلطات الدول القومية، ولكنها تقوم على قدرتها على الإنجاز وتحقيق المصالح والاحتياجات المشتركة هذه، أما الضلع الثالث، فهو أن هذه السلطة كما تتعاون مع السياسيين وصناع القرار فى الدول المشكلة لها، فهى بالأساس تعتمد على الخبراء فى المجالات الاقتصادية والتكنولوجية لتحقيق هذه الاحتياجات والمصالح المشتركة.
ومن هنا، فلو بدأنا فى تطبيق المدخل الوظيفى فى إعادة طرح تصور العمل العربى المشترك، فإن هذه السلطة لن يكون لها بالضرورة قائد محدد أو مجموعة من القادة، ولكن سيكون لها مجموعة من الميسرين أو المنسقين بحسب الموضوع محل التعاون، كما أنها ستكون مرنة العضوية بمعنى أنها قد تقبل عضويات فاعلين إقليميين من إفريقيا وغرب وجنوب آسيا وشمال المتوسط مدى اتفقت الدول الأعضاء على أن هذه الإضافة ستحقق المصلحة المشتركة كما هى معرفة فى اتفاقية بناء هذه السلطة، كما أن عمل هذه السلطة المفترضة لقيادة العمل العربى المشترك ستعطى أهمية كبرى للفاعلين من دون الدول لتحقيق مصالح الأعضاء سواء كانت شركات دولية أو إقليمية أو مؤسسات أو منظمات غير حكومية متى توافر لهؤلاء الفاعلين الشرعية، وأخيرا لن يكون الشغل الشاغل لهذه السلطة الإقليمية تحقيق «الوحدة»، بقدر ما ستكون أولوياتها منصبة على تحقيق هذه المصالح والاحتياجات المشتركة.
لكن كيف يمكن ترجمة هذا المدخل إلى مجموعة إجراءات أو سياسات، فلهذا حديث لاحق.
أستاذ مساعد زائر للعلاقات الدولية بجامعة دنفر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved