‫التفاوض بالصواريخ!!!‬

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: السبت 30 مايو 2026 - 5:45 م بتوقيت القاهرة

«فى المفاوضات لا نحصل على التنازلات من خلال المحادثات، ولكن عبر الصواريخ.. نحن لا نثق فى الضمانات أو الأقوال، ولكن نؤمن بالأفعال وحدها، فهى وحدة القياس الأساسية». صاحب الكلمات السابقة هو محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيرانى، على صفحته على منصة إكس يوم الجمعة الماضى.

قاليباف هو من ترأس الوفد الإيرانى فى الجولة الأولى والأساسية من المفاوضات مع الولايات المتحدة فى العاصمة الباكستانية إسلام آباد فى الشهر الماضى.

كلمات قاليباف يفترض أن تكون هى القاعدة الأساسية فى ذهن وعقل وتفكير أى مفاوض، ومن دون تطبيقها ستكون الخسارة محققة.

هو أضاف القول: «الفائز من أى اتفاق هو من يستعد للحرب بشكل أفضل من اليوم التالى. ولن نتخذ أى قرار أو تحرك إلا بعد أن يبادر الطرف الآخر.

ما قاله قاليباف عن التفاوض بالصواريخ أو عبر القوة ليس جديدا فقد قاله غالبية الخبراء والمحللين الاستراتيجيين الدوليين منذ عقود وقرون طويلة ومن بينهم المفكر الاستراتيجى «كارل فون كلاوزفيتز» بأن الدبلوماسية والمفاوضات لا تثمر عن نتائج حقيقية إلا إذا كانت مدعومة بقوة فعلية تفرض شروطك على طاولة الحوار أو بعبارة أخرى: «أنت لا تحصل على أى ثمن فى المفاوضات إلا بقدر المدى الذى تصل إليه صواريخك أو مدفعيتك أومقاتلاتك أو أى سلاح مؤثر تملكه».

 لكن للأسف فإن العديد من المفاوضين العرب لم ينتبهوا جيدا إلى هذه القاعدة فى العقود الأخيرة.

حينما تجلس على مائدة التفاوض فأنت لا تجلس فى جمعية خيرية توزع المساعدات أو الصدقات، بل تفاوض وتعافر وتقاتل بكل الأسلحة والقوة الشاملة الموجودة لديك.

وإذا طبقنا الحرب الأخيرة كمثال فعلينا أن نتذكر أن الولايات المتحدة ومعها إسرائيل كانت تصر طوال الشهور التى سبقت الحرب على ضرورة تفكيك منظومة وشبكة الصواريخ الإيرانية طويلة المدى. بحيث لا يتجاوز مداها ٣٠٠ كيلو متر، أى لا تعبر حتى حدود العراق إلى سوريا والأردن مثلا، ثم وخلال المفاوضات التى أعقبت وقف إطلاق النار تنازلت أمريكا وقالت إنه لا ينبغى أن تتجاوز ألف كيلومتر، والهدف الرئيسى ألا تصل إلى الحدود الإسرائيلية.

فى الحرب الإسرائيلية الأولى على إيران فى يونيو الماضى، ثم فى الحرب الأخيرة كانت مخازن ومصانع ومنصات الصواريخ الإيرانية هى الهدف الجوهرى لآلة الحرب الأمريكية الإسرائيلية.

وزعم ترامب ونتنياهو أكثر من مرة أنه تم القضاء على البرنامج الصاروخى، لكن تقارير صحفية دولية ومنها نيويورك تايمز وواشنطن بوست استندت إلى تقارير استخبارية أمريكية كشفت عن أن إيران ما تزال تملك من ٧٠ ــ ٩٠٪ من صواريخها ومنصات إطلاقها بل بدأت فى ترميم المخازن التى تضررت.

وأكاد أزعم أن مثل هذا التقرير ربما يكون أحد الأسباب الجوهرية التى دفعت ترامب لتجرع السم والموافقة على وقف إطلاق النار والدخول فى المفاوضات.

لو كان العكس صحيحا فإن ترامب لم يكن يمنعه شىء من مواصلة القتال حتى استسلام إيران، فالرجل هدد بمحو الحضارة الإيرانية، وبالتالى لا يمكن أن يردعه شىء عن ذلك سوى أن هناك ثمنا كبيرا سوف يدفعه جراء ذلك.

وأحد الدروس المهمة المستفادة من الصراع الأخير أن امتلاك الأوراق التفاوضية مسألة وجودية.

 نعرف تماما أن إيران كانت تصر طوال مفاوضاتها مع أمريكا على وجود ضمانات تمنع الأخيرة من إلغاء الاتفاق، كما فعل ترامب عام ٢٠١٨ مع اتفاق «٦+١» الذى وقعه باراك أوباما. ثم اكتشفت طهران أنه لا ضمانات إلا قوتك. وأحد المسئولين الإيرانيين قال حكمة مهمة قبل أيام خلاصتها أن الضمانة الأساسية الموجودة معنا الآن هى مضيق هرمز.

ومعنى كلامه أنه إذا انقلبت أمريكا وإسرائيل على أى اتفاق محتمل بين الطرفين، فإن إيران لن يشغلها كثيرا الضمانات الورقية، بل إغلاق مضيق هرمز، كما فعلت فى الأزمة الأخيرة واكتشفت أن ورقة المضيق ربما تساوى  «القنبلة النووية».

 الخلاصة أن السياسة والصراعات لا تعرف المبادئ ولا الأخلاق ولا الشرف، جيد أن نتمسك بذلك ونتصرف على أساسه، لكن قبل ذلك وبعده لا بد من امتلاك القوة للحفاظ على المصالح.

قبل أيام كان هناك مقال شديد الأهمية فى «الفورين بوليسى» للباحث ديفيد روبرتس، رئيس معهد كينج  للدراسات الأمنية التطبيقية، عنوانه «على دول الخليج بناء أمنها بنفسها لا أن تشتريه»، وهو أمر يحتاج للتأمل والتفكير.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved