الانتباه.. واستسلام البشرية للثورة الرقميّة
صحافة عربية
آخر تحديث:
السبت 30 مايو 2026 - 5:50 م
بتوقيت القاهرة
نشرت صحيفة الشرق الأوسط اللندنية مقالا للكاتبة آمال موسى، رأت فيه أن الثورة الرقمية حولت "الانتباه" لدى الأفراد إلى سلعة، واستغلته اقتصاديًا، وجعلته أداة لتتحكم بشكل كامل فى الإنسان.. ونعرض المقال كما يلى.
صحيح أن «الثورة الرقميّة» غيّرت حياة النّاس، وحققت بشكل تقريبى ما تُسمى «ديمقراطية المعلومة»، وجعلت الخبر فى متناول الباحثين عنه بشكل أسرع، وجسّدت فعليًا فكرة أن العالم قرية صغيرة.. لكن غالب الظن أن إنجازات هذه الثورة تجاوزت ما رُصد حتى الآن؛ إلى ما هو أَدَلّ وأقوى.
لا شك فى أهمية وجدوى التركيز على التحول النوعى الهائل فى الأبعاد المادية لحياة البشر اليومية، حيث لا يمكن إنكار الآثار الإيجابية للثورة الرقمية فى مجالات الدراسة والعمل وتقريب المسافات، حتى إننا أصبحنا نمارس التعليم عن بُعد، والعمل عن بُعد.. حتى مفهوم العمل قد اختلف، وأصبحت إدارة العلاقات الاجتماعية تتشكل بمقاربة أعلى مرونة.. ولكن إلى جانب كل هذه الانتصارات الساحقة للثورة الرقمية، التى لم نتوقف إلا عند المتداول منها بين عموم الناس، فإن هناك جوانب أخرى نعتقد أنها لا تلقى «الانتباه» الذى تستحقه.
الثورة الرقمية فعّلت لدى البشرية ميزة «الانتباه». نعم؛ الإنسان كائن يتميز بالقدرة على الانتباه؛ لذلك أضافت الثورة الرقمية إلى مجموعة الاقتصادات القائمة ما يسمى «اقتصاد الانتباه». فى هذا النوع من «الاقتصاد» يكون «الانتباه» هو «السلعة»، وهو جوهر معركة العرض والطلب، وهو الهدف الذى يتحقق به الربح الوفير. لذلك؛ يمكن القول إن الثورة الرقمية «فعّلت الانتباه» لدى البشرية؛ لتعود وتستغله اقتصاديًا.
منذ السبعينات، بدأ مفهوم «اقتصاد الانتباه» يتسرب شيئًا فشيئًا، حتى أصبح مفهومًا بارزًا مستقلًا محددَ المفاهيمِ والأعلامِ والأسسِ النظرية. والتسمية، كما هى ظاهرة، تُلخص بشكل جيد وبليغ مجال اهتمام «اقتصاد الانتباه»، الذى يتعاطى مع «الانتباه» على أنه مورد ثمين يتنافس عليه المستثمرون الكبار.. والذى يفوز فى مناقصة جذب الانتباه والاستحواذ عليه؛ فهو رابحُ هذه المنافسة غير المعلَنة.
ليست سهلةً ملاحظةُ أن «اقتصاد السوق» بات يستهدف انتباه الإنسان ويستثمر فيه. إننا أمام واقع جديد أنتجته الثورة الرقمية وتكنولوجيا وسائل الاتصال والإعلام.
يذكر أننا لم نستفق بعدُ من التأثير القوى لوسائل الاتصال التى تعمل على تأكيد التأثير القوى لمحتوى وسائل الإعلام؛ حتى انتقلنا إلى اقتصاد يقوم على «استمالة انتباه الإنسان». فى ظننا أن آليات التأثير القوي؛ المتمثلة فى الدعاية وما يتعلق بها، قد انخفض مفعولها كثيرًا؛ لأن الجمهور ليس سلبيًا؛ ولأن نسبة التَّمَدْرُس ارتفعت، ولأن الفرد لديه خيار الضغط على الزر.
سياسيًا؛ كان «الرأى» هو المستهدَف؛ لذلك قضينا عقودًا تحت تأثير الدعاية السياسية وكيفية تشكيل الرأى العام، وقامت صناعة كاملة هدفها الأساسى «الرأى العام».
واقتصاديًا؛ تراكمت نظريات التأثير على السلوك الاستهلاكى للأفراد، ولكن بقيت دائمًا قدرة الأفراد على التفطّن إلى دهاء التسويق.
منذ سنوات جرى الانتقال من مرحلة صناعة الرأى العام والتأثير فى كيفية تصرف الفرد بماله وميزانيته، إلى طور آخر لا يكتفى، كما كانت الحال سابقًا، بمالِ المواطن ورأيه وصوتِه السياسى، حتى وصل الأمر إلى صناعة ثقيلة تستهدف: «انتباه الفرد».
ومما يجعل التهديدات التى يواجهها «انتباهُ الإنسان» اليوم جديةً للغاية، وفرةُ المعلومات وتوالدها الفائق الكثافة؛ مما يمثل ضغطًا على «الانتباه» يؤدى إلى اضطرابه لاحقًا.
والحال أن «انتباه الفرد هو خلاصة المهارات الإدراكية والمعرفية والتفاعلية الرمزية»؛ الأمر الذى يحوله فى معجم «اقتصاد الانتباه» عملة نادرة، وسط أمواج من المنافسات التى لا تحصى.
لذلك؛ فإن الثورة الرقمية؛ من هذا المنظور المسكوت عنه، إنما تعمل على «تشتيت؛ وأحيانًا استعباد، انتباه الفرد» و«القضاء على الملكية الذهنية»، بشكل يجعل «اقتصاد الانتباه» يتحكم فى الإنسان بالكامل. ومهما كان الانتباه مستقلًا وأصيلًا وعالى الفطنة والتوليد العقلى؛ فإن تسونامى المحتويات والمعلومات أقوى، خصوصًا أن آليات «اقتصاد الانتباه» مختلفة عن آليات التسويق والدعاية.
أصبح المحتوى - أيًا يكن - لا يُقاس بقيمته وجودته ومضمونه، بل بمدى قدرته على جذب الانتباه والاستحواذ عليه أو على معظمه. وهذا يقذف بنا فى مرحلة شرسة لـ«استعباد انتباه الإنسان».
لنتذكر جيدًا أن «انتباه الإنسان» أغلى ما يمكن أن يملكه؛ فنحن نفكر من خلال «ما ننتبه إليه». و«الانتباه» ميزة ثمينة من المهم أن تظل فى قبضة صاحبها؛ لا أن تكون موضوعًا للتنافس والاستحواذ. وما يجب التأكيد عليه هو أن «تحويل الميزة سلعة خسارة للفرد وللإنسانية».
فى «اقتصاد السوق» كل شىء يمكن أن يكون «سلعة»؛ بما فى ذلك «الانتباه». لذلك؛ فإن استسلام البشرية للثورة الرقميّة أخطر ما عرفه الإنسان حتى الساعة.