حين ينطق الجدار
داليا شمس
آخر تحديث:
السبت 30 مايو 2026 - 5:50 م
بتوقيت القاهرة
ينتمى ناصر أبوسرور إلى «جيل الحجارة»، إذ شارك فى أحداث الانتفاضة الأولى التى اندلعت عام 1987 وتم اعتقاله على يد قوات الاحتلال الإسرائيلى فى يناير 1993، أى قبل انتهائها رسميًا ببضعة أشهر، وظل فى الأسر حوالى 33 عامًا بعد أن تم الحكم عليه بالسجن المؤبد دون إمكانية الإفراج المشروط إلى أن تحرر فى 13 أكتوبر 2025، ضمن صفقة الأسرى الأخيرة. وقبل خروجه من محبسه، خرج إلى النور كتابه "حكاية جدار" الذى ساعدت فى تهريب محتواه ابنة أخيه- الناشطة شذا أبوسرور- ونشرته كما هو دار الآداب دون تدخل أو تعديل عام 2022، ثم تم ترشيحه لجائزة البوكر العربية بعدها بسنة، قبل صدور طبعته الثانية فى العام التالى. ومثلما لا يشبه ناصر أحدًا، أتى مؤلفه فريدًا من نوعه، لا يهتم بالتصنيف ولا يعبأ بالقوالب الأدبية، بل يقف فى مساحة حرة بين النثر والشعر، وتمتزج أفكاره وروايته للأحداث التى عايشها بتأملات فلسفية عميقة، يعبر عنها بلغة جزلة تدل على ثقافة واسعة تستوعب عالم الميثولوجيا والحكايات والآلهة فى الحضارات المختلفة وتعقيدات الوضع السياسى والاجتماعى والنفسى فى الداخل الفلسطينى. يحمل إلينا تساؤلات حول كل شىء دون مداهنة، بل يجنح بوعى نحو التعرية والمكاشفة ولا يخشى لومة لائم. وفى مكان ما يشعرنا بأن ذلك أمر طبيعى بحكم انتمائه لجيل جاء لكى يكسر كل ما سبق من أكاذيب وخدع، جعلته الانتفاضة يعيد اكتشاف ذاته وما يملكه من قدرات، «جعلت منا آلهة صغارًا، جعلناها تشبهنا فى رومانسيتها وتسامحها وغفرانها ما صغر من خطايا وما كبر (...) كنا آلهة بلا عروش، لا سماء نسكنها ولا نُخلَق من عدم، لا نَحكُم ولا نَستعبِد، ولا نقبل قرابين من أحد».
فجأة وجد نفسه هذا الكائن المتمرد يلوذ بجدار، يتمسك به كأن لا شىء سواه يستند عليه، ويتخلى عن الحياة ويتشبث بكل ما وراءها من وعودات. درب نفسه على الرتابة والتخلى منذ أن كتب على حائط الزنزانة «وداعًا يا دنيا»، حتى أطلق عليه البعض «فيلسوف الجدار». فهم باكرا أنهما مرشحان لشراكة طويلة الأمد، خاصة أنه منذ صباه ونشأته فى مخيم عايدة بمحافظة بيت لحم كان دومًا هناك جدار يفصله عن المدينة ويذكره أنه يسكن مكانًا هامشيًا تملؤه شخوص هامشية، وكأى طفل هامشى رحت أجوب المكان متفحصا حدودى الهامشية. متمهلًا لا أعجل، فليس فى المكان ما يدعونى للتعجل وساعاتى أطول منى عمرًا. الجدار فى هذه الحالة بلور إحساس المدينة التى أعطت ظهرها للمخيم وتنصلت منه وقزمت أوجاعه، وجسد فكرة الخصومة بين أهل المخيم وكل ما أحاط بهم، وحين جاءتهم الفرصة لكى يلعبوا أدوار البطولة مع اندلاع الانتفاضة لم ينجحوا فى استغلالها.
***
فى السجون الإسرائيلية المختلفة التى تنقل بينها، صار الجدار رفيقه و«ثابته الوحيد»، وهو ليس إلا شاهدًا يقدم شهادة سماعية ونظراوية للأحداث. وعلى هذا النحو يقول فى بداية النص: «إنها حكاية جدار قرر أن يختارنى شاهدًا على ما يقول ويفعل». وقد تردد طويلًا قبل أن يتجرأ على الكتابة، رغم أن محاولاته الأولى بدأت وهو فى الثالثة عشرة من عمره. نشر ديوانًا شعريًا واحدًا عام 2021 قبل «حكاية جدار»، أى أن الأمر قد استغرق 28 عامًا قبل أن يخوض تجربة البوح والاستسلام لما تمليه عليه المساحات البيضاء. شعر بأن من واجبه أن يسجل الحكاية من أجل أقرانه ممن رحلوا أو ظلوا فى زنازين المحتل، تلك الأرواح محبوسة ولكن محلقة، «لا تزال تربى الوجع، كما يربى أسير محمود درويش الأمل». أرواح "تأكل كى تبحث عن شهية مفقودة وروائح قديمة تذكرها بزمان ومكان غرقًا عميقًا فى قعر الذاكرة، تشرب، لا شىء يروى فيها العطش، وتتعب من عديم أفعالها. (...) وتظل الأرواح على استغنائها عن أجسادها، فيعيش الطرفان فى حالة انفصال متفق عليها تنغمس الأجساد فى عالمها السفلى وتظل الأرواح على تحليقها". هكذا يُشير ناصر أبو سرور إلى الأسرى باستخدام كلمة" الأرواح"، وحين يتحدث عن عرفات يسميه «كبير الرواة» الذى وقع على اتفاق أوسلو و«وثائق وخرائط عجز هو عن تفسيرها (...) غفر له بعضهم عجزه مؤقتًا وانتظروا». يوضح انقسامات المجتمع الفلسطينى التى انعكست داخل السجن، ويتناول بروز نخبة سياسية قديمة حصرت كل خياراتها فى خيار التفاوض والمقاومة السلمية واستغلت دولة الاحتلال الفرصة للتوسع وتعميق الخلاف بين الفصائل وإضعاف الهوية الوطنية الجامعة وتعزيز الهويات الفرعية والاختلافات فى البنى بين الضفة وغزة.
***
ظن أبوسرور أنه فى ظل الوضع السائد سيقع ما أسماه «جيل أوسلو» تحت تأثيرات خطابات جديدة من شأنها تبديل أسطورته القديمة، لكى تحل محلها أخرى جديدة تقصيه عن مسار تطوره الطبيعى، لكن كانت المفاجأة مع نشوب انتفاضة الأقصى عام 2000، رأيت جيلا كفر وكذب بكل ما صدقه أو جعلوه يصدقه. ويستمر الأسير «الفتحاوى» الخمسينى فى تحليلاته وانتقاده للنخب ومن احترفوا تسييس النصوص وصناعة القوالب: «إن قدرة النخب على الكذب وحاجة الناس للإيمان والتصديق عنصران مهمان فى بناء أى أسطورة تسعى لنظم مجموعة قوانين وعلاقات داخل أى مجتمع إنسانى، حتى يقبل الأخير بسلطة النظام وشرعيته».
وفى النصف الثانى من الكتاب، يقع الأسير فى الحب. تظهر «ننا» أو نادية دقة المحامية الشابة التى تصغره بأكثر من عشرين عامًا. يتبادلان الخطابات التى يطلعنا عليها فى «حكاية جدار»، وهى من أجمل وأرق ما قرأت. يتلون الوجود رغم كل الإحباطات التى أصابته فى كل مرة لا يتم إدراج اسمه على قوائم المفرج عنهم أو مع تداعيات الربيع العربى. الجدار توقف عن الكلام معه بعد ظهور نادية، فحين" تحب تتهدم فيك جدران وسقوف"، وقد دخل حياته" وجه يعطيك ألف دافع للحياة، ويمنع عنك موتك وإن تمنيته". نظم لها القصائد فى أعياد ميلادها من خلف الجدار، والآن يستعد للزواج منها الشهر المقبل فى القاهرة حيث يقيم منذ تحرره من الأسر، وقد انتهى من ديوان شعرى جديد ويستعد للمزيد من الكتابة الذاتية التى لا ينوى التخلى عنها.