تنميط كرة القدم
سيد محمود
آخر تحديث:
الثلاثاء 30 يونيو 2026 - 7:05 م
بتوقيت القاهرة
كما هو متوقع، خطفت مباريات كأس العالم الأضواء من أى حدث آخر، بما فى ذلك المفاوضات بين أمريكا وإيران أو المأساة التى يعيشها سكان غزة، ومع ذلك يصعب القول إن الكرة بعيدة تمامًا عن السياسة، فمشهد اللاعب الإيرانى الذى بكى أمام الكاميرات، وهو يتحدث عن الظلم الذى تعرض له فريقه بحرمان الطواقم الفنية المرافقة من دخول أمريكا، بسبب التعنت فى إجراءات الفيزا، ترك الكثير من الأثر فى نفوس المشاهدين، لذلك فإنه مشهد سياسى بامتياز يُذكر بما كتبه الشاعر محمود درويش فى مقاله الشهير عن مارادونا، ليؤكد أن كرة القدم مسرح واقعى لتعديل موازين القوى، أو المحافظة عليها، لخلق مستوى آخر للواقع، أو تثبيته. كما أن فيها شيئًا من لعبة إعادة تركيب العالم على أسس مختلفة، وعلى جدارة مختلفة، وهى بوصفه: «حرب عالمية يمارس فيها خيال الشعوب دوره الغائب أو الحاضر. لا أحد يتفرج على سباق الأجساد، والمهارة، والذكاء، المعبّرة عن طبائع الأمم فى الهجوم والدفاع، فى العنف والرقص، فى الفردية والجماعية، الجميع ينخرطون».
كما أنه لفت إلى أن المشاهدين هم أشد اللاعبين اندفاعًا، لأنهم يدفعون بتاريخهم النفسى وتأويلاتهم ورغباتهم فى التعويض إلى الملعب، لرفع اللعبة إلى مستوى التعبير التمثيلى المتخيّل عن روح الأمة وحاجتها إلى التفوق على الآخر. هى الوطنية المتفجرة، شرارة الإفصاح عن الباطن فى علاقته بالآخر، وهى حرية الإفصاح المتاحة عن الذات المحرومة من الإفصاح فى سياق السياسة أو الجنس أو اللون. وهى، بتعبير صاحب الجدارية: «انفجار حرية تعبير عن حرية غائبة، أو عن سيادة تسعى لأن تواصل سيادتها. هى شىء من الصراع الاجتماعى أحيانًا، وعن وحدة القوى الاجتماعية الداخلية فى صراعها القومى مع الخارج أحيانًا أخرى».
يستطيع الناظر فى أجساد ووجوه اللاعبين التى تملأ الشاشات أن يلمح جملة من التغييرات فى البطولة المقامة حاليًا، أولها ما يتعلق بلون البشرة على سبيل المثال، فربما يحدث للمرة الأولى أن تصعد 9 فرق من بين 10 فرق إفريقية إلى الدور الثانى فى البطولة التى توسعت لأسباب اقتصادية بحتة وليس استجابة لنداءات العدالة التى تلائم تفوق الكرة الإفريفية ولا يفسر هذا التوسع وحده غلبة الوجوه السمراء، فالمؤكد أن التنافس على ضم اللاعبين الأفارقة ومنحهم جنسيات أوروبية ليس دليلًا على تراجع قيم العنصرية وكل أشكال وصور التمييز كما يعتقد البعض، وإنما هو دليل آخر على صدق الحكمة القائلة: «اللى تكسب به العب به». فقبل 110 أعوام كانت أوروجواى، كما يؤكد الساحر إدواردو جاليانو، هى البلد الوحيد فى العالم الذى يضم فريقه الوطنى لاعبين سودًا، والآن عليك أن تنظر إلى ملامح حارس مرمى اليابان لتعرف أن العالم لم يعد كما كان فى الماضى.
ولدت كرة القدم معولمة، كما يشير إلى ذلك ميكائيل كوريا، محرر الموقع الفرنسى «ميديا بارت»، فى كتابه المهم (تاريخ شعبى لكرة القدم) الذى ترجمه الزميل محمد عبدالفتاح السباعى، وصدر عن دار المرايا.
يشير الكتاب إلى عدة أمثلة تؤكد أن كرة القدم أكثر من مجرد لعبة، وليس أدل على ذلك من وجود أقاليم وممتلكات ومستعمرات لم تُقبل فى الأمم المتحدة كبلدان مستقلة، لكنها باتت معتمدة فى «فيفا»، ومن يعود إلى المشاهد التى التقطت لملك هولندا، وهو يرقص مع لاعبى كوراساو سيجد ما يؤكد هذه الفكرة، التى تثبت أن للكرة قانونها الدولى الخاص، والذى يتجاوز فى سلطته التنفيذية القانون الدولى الإنسانى ويتخطاه.
وبناءً على ما نشاهده حولنا، فإن كرة القدم لم تعد هى مملكة الوفاء البشرى كما أسماها المفكر أنطونيو جرامشى ذات يوم، بل صارت سوقًا لا حدود لها، ودليلًا آخر على أن العولمة لا دين لها، فقد راح الزمن الذى كانت الأندية ملكًا للجماهير، كما ذهب زمن المشاهدة المجانية والتذاكر التى يقدر الجميع على دفع أثمانها، فأقل سعر لتذكرة يزيد على 500 دولار أمريكى.
كتب إدواردو جاليانو فى أحدث طبعات الكتاب الشهير (كرة القدم فى الشمس والظل/ترجمة صالح علمانى/دار ممدوح عدوان) أن العولمة أخذت من جمال المنافسة فى كرة القدم، وغلبت الطاعة والسرعة والقوة، وتم التخلى عن حركات المراوغة، وصنعت العولمة القالب الذى صبت فيه كرة القدم كتمثال له نسخ متعددة.
لقد صارت اللعبة -كما يقول- أشبه بخط إنتاج صناعى أكثر برودة من ثلاجة، وعديمة الرحمة مثل مفرمة لحم، بل هى كرة قدم للروبوتات، أو لمن لديهم صحة ويستطيعون الجرى دون توقف ومن المفترض أن هذا الضجر يعنى التقدم. ثم يعود جاليانو إلى حكمة استخلصها المؤرخ البريطانى الشهير أرنولد توينبى، القائل: «السمة الأكثر ثباتًا للحضارات فى حالة انحطاطها هى ميلها نحو التنميط».
هل تكفينا هذه العبارة لنفسر انقراض المتعة فى أداء فرق كانت تطلقها كصافرة فى الهواء، مثل البرازيل أو الأرجنتين على سبيل المثال، أو حتى هولندا وألمانيا؟ فباستثناء المواهب الفردية من أمثال ميسى ورونالدو ومبابى وديمبيلى وفريق فرنسا، فإن السحر الذى اعتدناه لم يعد قائمًا، صارت اللعبة مثل سباق السيارات، ولا عزاء لنا نحن الذين كانت لمسات مارادونا هى خبز أيامنا، وموضوع لحكايات لا تنتهى.