انكسار «الربيع»!

خالد سيد أحمد
خالد سيد أحمد

آخر تحديث: الجمعة 30 يوليه 2021 - 10:30 م بتوقيت القاهرة

التطورات الأخيرة التى شهدتها تونس، وتحديدا الإجراءات الاستثنائية التى اتخذها الرئيس قيس سعيد، وجمّد خلالها عمل الحكومة والبرلمان، تعيد إلى المشهد مجددا، السؤال عن أسباب انكسار حلم دول الربيع العربى فى تحقيق التحول والانتقال الديمقراطى.
حتى وقت قريب، كانت التجربة التونسية مضرب الأمثال لدى البعض، الذى رأى فيها قدرا كبيرا من النضج السياسى، والقدرة على دمج التيارات الإسلامية فى منظومة الحكم والسلطة من دون هزات راديكالية عنيفة فى المجتمع، بل إن قطاعات كثيرة من المؤمنين بالتغيير فى هذه المنطقة، كانت دائما ما تردد بكل فخر مقولة «الإجابة تونس»، فى إشارة لا تخلو من دلالة عن اعتزازها بما حققته هذه التجربة من تحول كبير فى المجتمع، ساهم فى تحقيق التعايش بين الفرقاء، عقب ثورة كانت ملهمة للعالم قبل دول وشعوب الجوار.
لكن النموذج التونسى لم يستمر كثيرا، وانضم إلى بقية دول الربيع العربى التى لم تكمل طريقها المأمول، وفشلت فشلا ذريعا فى ترسيخ تجربة الانتقال والتحول الديمقراطى، واتجهت مباشرة صوب الحكم الفردى.
ربما يقول البعض إن التعميم غير دقيق تماما باعتبار أن النموذج السودانى يحقق نجاحا هائلا فى الوقت الحالى، إلا أن هذا التقييم يبدو متسرعا بعض الشىء ويفتقد إلى الدقة، لأن التجربة السودانية لا تزال فى بدايتها، بل وتعترض طريقها يوما بعد يوم حقول ألغام سياسية واقتصادية كبيرة، كما أنها تنتمى زمنيا لدول الموجة الثانية من موجات الربيع العربى، وليس دول الموجة الأولى التى نتحدث عنها.
عودة إلى السؤال.. لماذا فشلت دول الربيع العربى فى اختبار الانتقال والتحول الديمقراطى؟ هناك بالتأكيد أسباب كثيرة تقف وراء هذا الأمر، أهمها أن الملايين من الشعوب العربية التى نزلت إلى الساحات والميادين طلبا للتغيير، لم يكن على جدول أولوياتها الانتقال والتحول الديمقراطى، لأنها كانت تريد من ينتشلها من الفقر المدقع والجوع والمرض ويحارب الفساد الذى ينخر فى عظام الدول. كانت تهتف أولا ل«العيش» أى الخبز، ثم بعد ذلك للحرية والعدالة الاجتماعية، وعندما لم تجد من يحقق أملها ويعيد إليها حقوقها فى الحياة بكرامة وعزة، انصرفت فى هدوء من المشهد، لتتابع من بعيد بلا اكتراث، حروب المتصارعين على السلطة والغنائم، وبالتالى لم تعد تشكل مصدر ضغط عالٍ لتحقيق هذا الانتقال الديمقراطى المأمول.
«المتصارعون على السلطة» هم السبب الرئيسى الثانى فى إفشال التحول الديمقراطى بدول الربيع العربى، ونعنى هنا فريقين، الأول تيار الإسلام السياسى وتحديدا جماعة الإخوان المسلمين، التى دان لها الحكم فى عواصم عدة، فاتسم سلوكها السياسى بالانتهازية الشديدة والرغبة الجارفة فى الاستحواذ والسيطرة على مفاصل السلطة وحدها، وإقصاء وأبعاد شركاء الميادين، والتنكر لمبادئ وأهداف الثورة، وعلى رأسها ترسيخ التحول الديمقراطى.
أما الفريق الثانى فهو فريق الثورة المضادة، أو بقايا النظم التى أزاحتها ثورات الربيع، والتى وجهت كل أسلحتها وإمكاناتها لإفشال وعرقلة المسار الديمقراطى، من أجل استعادة مواقعها ومناصبها ومزاياها السابقة، حتى تمكنت من تعميق كراهية البعض للثورة والتغيير، ودفعهم إلى الحنين والبكاء وربما الترحم على من ثاروا عليهم منذ سنوات قليلة مضت!
أيضا كان للأموال الساخنة التى تدفقت من قوى إقليمية إلى جميع المتصارعين على السلطة، دور بارز فى إجهاض أى مشروع للتغيير والانتقال والتحول الديمقراطى، حتى لا تمتد الفكرة إلى أراضيها ما يؤدى إلى اهتزاز عروشها القائمة على فكرة القبيلة، والبعيدة كل البعد عن أى مظهر من مظاهر الديمقراطية الحديثة.
هذه الأسباب مجتمعة أدت إلى هذا الانكسار السريع لحلم الانتقال الديمقراطى، وتحول الربيع العربى إلى خريف محبط لقطاعات واسعة من المواطنين، آمنت بقدرة الشعوب العربية على التغيير واختيار من يحكمها، من دون الخوف من انزلاق الأوطان المستقرة إلى آتون الفوضى والصراع والخراب والتدمير والحروب الأهلية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved