«بار ليالينا».. في هجاء الرجال الصغار

محمود عبد الشكور
محمود عبد الشكور

آخر تحديث: السبت 30 يوليه 2022 - 7:05 م بتوقيت القاهرة

تستطيع أن تستمتع بهذه الرواية كلعبة سردية، وكحدوتة مثل أفلام السينما، تليق ببطلها الكومبارس الحالم بالبطولة، والذى يريد أن يكون رجلًا كبيرًا فى قلب الصورة، وليس فى الخلفية، أن يكون المتن، وليس الهامش، مثلما تستمتع بالرواية أيضًا باعتبارها هجائية للرجال الصغار عمومًا، والذين يزعمون أنهم كبار، الرجال الجوف، على حد وصف ت. س. إليوت، الذين يتصدرون مشهد المدينة، النخبة المدعية، التى تحتل الأفيش الثقافى والفنى، رغم أنها تخفى حماقة عميقة.
«بار ليالينا» الصادرة عن دار الشروق، لمؤلفها أحمد الفخرانى، تستعير عالم السينما، ومفهوم البطل مقابل الكومبارس، بل تستعير أيضًا مفهوم اللعبة الدرامية، التنكر والتقمص، الواقع والمرايا، لكى تختبر النخبة المثقفة، وتسقط أقنعتها، فيبدو فعل التشخيص، والإيهام بالأقنعة، ممتدا من عالم الكومبارس إلى عالم النخب، ليست لإثبات من هو الأكثر عظمة؟ وإنما لمعرفة من الأكثر حماقة؟!
الفكرة التى يقتنصها النص هى حرب إثبات غباء الطرف الآخر، هنا سيكون الأقل حماقة هو الأفضل، ولكن الجميع فى مستنقع مروع وكئيب، والمؤلم أن سنوات اللعبة ممتدة من نهاية التسعينيات البائسة، بسخرية الرجال «الكبار» من الكومبارس الصغير، وصولا إلى ما بعد عشرين عاما، حيث يستعيد الكومبارس الصغير زمام اللعبة، لكى يعترف «الكبار» بأنهم صغار، وبأنهم حمقى، لم يستطيعوا أن يكتشفوا لعبته.
ما يدهش فعلا أن أحمد الفخرانى قد كتب نصا مشوقا ومسليا للغاية، مع أن مضمونه تراجيدى بامتياز، وبطله الكومبارس نوح الرحيمى، الذى لم تغير أدواره القصيرة السريعة، ولا ظهوره عرضا فى أفيش، ولا أفلامه القصيرة، التى أنتجها مع زملائه، ولا وظيفته الأصلية كمحاسب فى شركة للأدوية، لم يغير كل ذلك من صفته كأحد المهمشين، وكرجل صغير رسميا، ولذلك سيتملكه ذلك الهوس بفكرة ما، مثل أبطال باتريك زوسكيند.
الفكرة التى تتلبس نوح هى أن يثبت نفسه أمام «الكبار»، أن يحصل على اعترافهم كممثل، أن يصبح واحدا منهم، وأن ينضم إلى «موهوبى» المدينة، نخبتها القابعة فى بار ليالينا، والتى تلتف حول حكيم النخبة، الكاتب الكبير يسرى الحلو.
صدمة نوح فى نخبة البار، وسخريتهم منه، كان يمكن أن تصنع مأساة، فكّر كثيرًا أن ينتحر مثلًا، بإلقاء نفسه فوق المدينة، ولكنها ستصنع فى النهاية ملهاة، لعبة بطول أكثر من عشرين عاما، فيلم متكلم وليس صامتًا مثل أفلام نوح القديمة. تصعد النخبة الكاذبة والمدعية، مثلما يصعد نوح بضربة حظ، بعد أن تعثر طويلًا فى أفلامه، يبدو المستنقع فى البار، مثلما هو فى فوضى المجتمع، وكما هو فى نشاز الأصوات أثناء الغناء.
نرى المستنقع فى أقنعة الصحفى والشاعر والفنان التشكيلى، وأستاذة النقد، وعازف الجيتار والمحامى وناشطة حقوق الإنسان، وكان السرد يحتمل مزيدًا من التفصيلات عنهم، مثلما نرى المستنقع فى سرقات شركة الأدوية، التى يتورط فيها نوح، ولكنه يخرج من السجن قادرًا على إدارة لعبة الألماس والفضلات.
تذكرنا العناوين اقتباسًا من أسماء أفلام جماهيرية، بأننا أمام فيلم مكتوب، سيناريو تكتبه النخبة مرة، ويكتبه نوح مرة، ويذكرنا استدعاء شخصيات مسرحية «سيدتى الجميلة» بالتحديد، بلعبة مشابهة بين كمال بك الطاروطى، وصدفة بعضشى، بين الكبير النخبوى، والبائسة الفقيرة، ولقاء الاثنين سيجعل صدفة تلبس قناع الأرستقراطية، مثلما سيعرى قناع كمال، فكأن «بار ليالينا» تستعير أيضًا لعبة «سيدتى الجميلة»، وتسقطها على موهوبى أو موهومى المدينة المزيفين، لنكتشف، ويا للهول، أن الجميع كومبارسات، الجميع حمقى، ويتبارون فى الهوس بالتفاهة.
بل لعل الكومبارس الأصلى نوح، أكثر موهبة من كومبارسات النخبة، على الأقل هو الذى أراد أن يفهم الفارق يبن الصغير والكبير، وهو الذى عرف أن الرجل الكبير هو أصلًا رجل صغير، استطاع أن يعرف متى يصبح صغره خطرًا عليه، ويعرف متى يصبح رجلًا صغيرًا.
هذه هى أفلام الكومبارسات التى لم يعترف بها أحد، وقد انتقلت إلى الواقع، وهذه هى ثرثرة المثقفين وتنظيراتهم الانتهازية، وقد امتدت من عوامة نجيب محفوظ، إلى بار الفخرانى، وهذه هى مواهب المدينة، تتمخض فتلد أشباحًا إنسانية، لا تمتلك سوى لعبة إثبات حماقة الطرف الآخر، وهذه أوهام بشرية تتأمل مرآة الحقيقة السحرية، مثلما تصدر مجلة كاذبة بعنوان «باب الحقيقة»، زعموا أنهم يمتلكون أبواب ومفاتيح الحقيقة كلها، فيا للحماقة!
تكتسب التفاصيل دلالة كبيرة فى اللوحة المتسعة، وتبدو نظريات نوح عن الأرض المسطحة، وعن الألماس والجوافة، مثيرة للتأمل بقدر ما هى مثيرة للسخرية، تماما مثل مقالات يسرى الحلو المنتحلة.
وبينما تنعكس الأدوار بين نعمات، صاحبة البار الصاعدة من طبقة فقيرة، وزوجها العازف الهابط من الثراء والوسامة، إلى الضعف ولذة الصورة الخيالية، تنعكس موازين اللعبة، فيحقق نوح من خلال الأقنعة، الانتصار على أصحاب الأقنعة، ويحصل على ما هو أكثر من اعترافهم بحماقتهم: ابتلاع المرايا لهم، وتحول مكان الأنس إلى ماسورة مجارى عملاقة، فلا تبقى سوى قطعة ألماس طافية.
فى رواية تستدعى عالم السينما، يبدو تعبير «الرجل الكبير» دالًا على نخبة، وعلى زعيم عصابة أيضًا، وتبدو ضربة الحظ، والمرآة السحرية، وحيلة المؤامرة الكونية، والكائنات الفضائية، جزءا عاديا من الحبكة السينمائية، وتصبح قهوة بعرة معادلا لبار ليالينا، بل لعلها المعادل الأكثر صدقا من رجال الأقنعة فى البار: كومبارسات صرحاء، لا يخجلون من عملهم، ولا يمتلكون أكثر من الإيمان، والحلم بأن يكونوا ذات يوم فى مكانة أفضل، بينما يتعالى ضيوف بار ليالينا، مع أن فى داخلهم طبولا جوفاء، وفوق أجسادهم رماد وريش.
«بار ليالينا» شاشة عرض ضخمة، بحجم خيبات النخبة، وتناقضاتها وانتهازيتها، وبحجم ظاهرة الرجال الجوف، الذين يكبرون، فقط لأن الآخرين مهمشون. هى أيضا رواية ذكية عن الصغار، الذين لولاهم لخربت الدنيا، فمنهم صغار مكشوفون، ومنهم صغار ارتدوا الأقنعة، لكى نراهم كبارًا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved