حين تسبق السيرة والأخلاق الجوائز
رانيا زادة
آخر تحديث:
الخميس 30 يوليه 2026 - 8:20 م
بتوقيت القاهرة
فور الإعلان عن فوز الدكتور أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة بجائزة النيل للعلوم الاجتماعية، انهالت التهانى على أفراد الأسرة من خلال مئات الاتصالات والرسائل وكذلك التعليقات عبر وسائل التواصل الاجتماعى، حيث حملت كلمات التقدير والاعتزاز بعالم كرّس حياته للعلم، وأستاذٍ تتلمذت على يديه أجيال متعاقبة.
وسط هذا المشهد، استوقفنى مشهد شديد الخصوصية.. حيث بدأ ابنى، ذو السبعة عشر عاما، فى قراءة التعليقات المنشورة على مختلف المنصات؛ ولم يكتفِ بقراءة الكلمات، بل كان يقرأ حتى الرموز التعبيرية (الإيموجى) المصاحبة لكل تعليق، وكأنه يريد أن يتذوق مشاعر أصحابها قبل كلماتهم. وبعد أن انتهى من قراءة عشرات التعليقات، التفت إلىّ وقال: «أجمل التعليقات التى قرأتها هى: تشرفت الجائزة به».
• • •
توقفت أمام هذه العبارة طويلًا. فابنى لم يطلع على كتب جده أو أبحاثه، ولم يدرس إسهاماته العلمية التى جعلت من اسمه علامة بارزة فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية عبر أجيال متعاقبة. لكنه يعرف جده الإنسان، يعرفه من خلال ما يراه منه كل يوم من أخلاق، وتواضع، ورحمة، واحتواء، وصبر، وحب بلا حدود.
ربط عمر، بعفويته، بين استحقاق الجائزة وبين أخلاق صاحبها، لا بين عدد مؤلفاته أو سنوات عطائه الأكاديمى، وربما كانت هذه هى الحقيقة التى يغفل عنها كثيرون؛ فالعلم يمنح صاحبه مكانة مرموقة ولا شك، أما الأخلاق والسيرة الطيبة، فتصنع له الخلود والقيمة الحقيقية فى قلوب الناس.
ولم يكن عمر وحده الذى شعر بهذا الفخر؛ فقد كتبت ابنتى الكبرى عبر وسائل التواصل الاجتماعى كلمات تعبّر عن اعتزازها بجدها وبفخرها بأنها تحمل اسمه، كما شعر كل أفراد العائلة أن هذا التكريم يخصهم جميعًا، لأنهم يعرفون الإنسان قبل أن يعرفوا الأستاذ والعالم.
• • •
عرفت الدكتور أحمد يوسف من خلال حكايات حماتى، رحمها الله، التى كانت تحدثنى عنه منذ أيام دراسته الجامعية. لم تكن تروى قصصا عن طالب متفوق فحسب، أو عن شريك حياتها لأكثر من ثلاثين عاما، بل عن ابن بار بوالدته، وأخٍ مسئول، وإنسان جعل من البر أسلوب حياة، فهو الذى ظل ملازما لوالدته يرعاها حتى آخر أيامها، وامتد عطاؤه ليشمل والدة زوجته، حتى رحلت بين يديه.
أما زوجى، فقد حدثنى كثيرا عن والده كأب وصديق قبل أن يكون أستاذا، الأب الذى كان ملما بتفاصيل حياة أبنائه، ويتابع دروسهم وأمورهم الخاصة، ويعرف أصدقاءهم، ويجد وقتا لأسرته بعد يوم عمل طويل. فكان يؤدى دوره فى بيته بنفس الإخلاص الذى أدى به رسالته فى جامعته وعمله.
أما أنا، فقد شاء القدر أن أكون طالبة فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، الكلية التى ارتبط اسم الدكتور أحمد يوسف بتاريخها العلمى، لكننى لم أحظَ بشرف أن أكون إحدى طالباته. ربما فاتتنى هذه الفرصة، لكن عوضنى الله بأن أصبح لى أبٌ ثانٍ، أغدق علىّ من حنانه واحتوائه بقدر ما أغدق على طلابه من علمه.
• • •
ولعل أكثر المواقف التى ستبقى محفورة فى ذاكرتى كانت يوم مناقشة رسالة الماجستير الخاصة بى، ففى ذلك الوقت كان الدكتور أحمد يخضع لعملية زراعة كبد دقيقة فى فرنسا، وقد اُضطررت إلى العودة إلى القاهرة لمناقشة الرسالة، بينما ظل هو فى العناية المركزة بعد مضاعفات العملية.
وقبل بدء المناقشة بدقائق، فوجئت باتصال من هاتفه. كان صوته واهنًا، لكنه كان حاضرا بكل محبته، يدعو لى بالتوفيق.
لا أزال حتى اليوم أتساءل: كيف تذكر، وهو فى تلك الحالة الحرجة؟ وكيف طلب من الممرضة أن تتصل بى؟
كانت تلك المكالمة بالنسبة إلىّ أكبر من مجرد اتصال؛ كانت رسالة طمأنينة، وحضنا أبويا، ودعاءً سبق أهم لحظات حياتى العلمية. وما إن انتهت المناقشة، حتى كان أول ما فعلته أن اتصلت لأطمئن أنه علم بحصولى على الدرجة.
• • •
هناك بعد آخر عن الدكتور أحمد، فشخصيته تجسد بوضوح أنه لا تناقض بين أن تكون شخصا جادا وعالما فى مجالك، وبين أن تكون بشوشا لطيف الصحبة والمعشر، فكل من يعرف دكتور أحمد، يدرك إلى أى حد حس الفكاهة لديه، فهو بارع فى انتزاع الضحكة والابتسامة بسلاسة لا تقل عن أسلوبه السلس فى إلقاء المحاضرات.
الأمر الآخر الذى لمسته أنا وعائلتى على مدار السنوات الماضية، أن حب وتقدير تلاميذ الدكتور أحمد منتشر فى كل مكان، وكثيرا ما صادفت فى أماكن متنوعة داخل وخارج مصر لقاء طلاب ومعارف وزملاء، يجمع بينهم حب خالص لشخصه وعلمه وأخلاقه. وليس من المستغرب أن هذه المحبة التى تم نسجها على مر السنين، لم تقتصر على المتخصصين فى مجال العلوم السياسية، إذ أتذكر جيدا رجل الشرطة الذى استوقفه فى إحدى إشارات المرور ليحييه ويُذَكره بأنه كان أحد طلابه فى أكاديمية الشرطة، فضلا عن أكثر من موقف لموظفين فى بنوك ممن يهمون لمساعدته امتنانا منهم لأستاذهم.
• • •
وبالرغم من الانشغال الدائم للدكتور أحمد، وقلة ساعات نومه، إلا أن ذلك لم يحل أبدا دون أن تظل أسرته تمثل اهتمامه وأولويته الأولى، فهو الحريص على اللقاء الأسبوعى الذى يجمع فيه أبناءه وأحفاده، وهو من ضحى بعطلته الصيفية ليتفرغ لمساعدة نجله على الاستقرار بعد عودته من الخارج، وهو الناصح والسند لى ولزوجى فى كافة أمورنا المهنية والشخصية.
ولكل هذا، فحين قرأت عبارة: «تشرفت الجائزة به»، شعرت أنها لم تكن مجاملة، بل كانت وصفًا دقيقًا.
فالجوائز تكرّم الإنجاز، لكن هناك أشخاصا يمنحون الجوائز قيمة إضافية، لأن تاريخهم الإنسانى يسبق تاريخهم العلمى، ولأن أثرهم فى الناس لا يُقاس بعدد الكتب التى ألّفوها، بل بعدد القلوب التى تركوا فيها أثرا لا يزول.
هؤلاء هم معلمو الأجيال بحق.
وهؤلاء هم الذين تستحق الجوائز أن تحمل أسماءهم، وأن تتشرف بهم.