يوم بَدَّلَ أصحاب اللحى مسار التاريخ الأمريكى على شاشاتهم (4-4)
إبراهيم العريس
آخر تحديث:
الخميس 30 يوليه 2026 - 8:20 م
بتوقيت القاهرة
يمكن القول دون أى تردد، وهنا بمناسبة الاحتفالات الأمريكية بذكرى مرور ربع ألفية من السنوات على استقلال الولايات المتحدة، إن ما من أمة فى التاريخ الحديث عرفت كيف تصب تاريخها على شاشات سينمائية جاعلة من ألوف من أفلام سينمائييها ميدانا ليس فقط للتعرف على الكيفية التى سار بها ذلك التاريخ، بدءا من كيفية «تكون أمريكا فى الشارع» بحسب ما يخبرنا مارتن سكورسيزى منذ ملصقات فيلمه الكبير «عصابات نيويورك»، بل لإحداث تبديل جذرى أحيانا فى مسارات ذلك التاريخ.
السينما والتاريخ فى أمريكا يكادان يبدوان فى أحيان كثيرة شيئا واحدا فريدا من نوعه. ونعرف أن السينما، منذ ديفيد جريفيث، وتحف له من أمثال «تعصب» و«مولد أمة» اللذين أنجزهما أواسط العقد الثانى من القرن العشرين والسينما لا تزال فى صباها الأول، سارت فى خط موازٍ، تفسيرى واستقرائى وربما أيضا استباقى لتاريخ الأمة الأمريكية؛ ولكن ليس دائما من موقع التضاد الذى سيحكم قسما كبيرا من العلاقة بين الأمة وتاريخها منذ أواسط سنوات السبعين من قرن السينما الكبير.
ففى البدايات، تواكب محتوى السينما مع محتوى التاريخ الأمريكى فى تفاصيله كافة، إنما فى تفاصيله الإيجابية غالبا، بحيث راحت أنواع سينمائية بأسرها تبدو وكأنها فصول فى ذلك التاريخ؛ من أفلام رعاة البقر والغرب وغزوه، إلى أفلام التصالح العرقى أو تبرير التعصب، إلى أفلام المدن وحثالاتها ولا سيما البوليسية منها، وصولا إلى الأفلام الحربية بما فيها أفلام العودة من الحرب والسينما التاريخية. دائما ما سايرت السينما فى ثلثى القرن الأولين من تاريخها المسار «الرسمى» للتاريخ الأمريكى دون مشاكسة، حتى حين يرى سينمائيون معينون أن ذلك التاريخ على الشاشة يظلم إما سكان أمريكا الأصليين، وإما تلك الجماهير من عبيد ومهاجرين قصدوا تلك الأمة بحثا عن رزق أو مستقبل أو ملجأ يؤويهم من ظلم ذوى القربى لهم فى أوطانهم الأصلية. وهنا، حتى شابلن الكبير ومنذ أفلامه الصامتة كان مهادنا فى شكواه ودفاعه عن الذين وجدوا أنفسهم يُظلمون فى العالم الجديد بأكثر مما كانوا يُظلمون فى أوطانهم القديمة.
بقدر كبير أو قليل من المشاكسة، بتصالح طبقى وعرقى وبين الأجيال، دبرت السينما الأمريكية نفسها مع المجتمع والسلطات الفيدرالية، وعرفت كيف تتخطى حتى حكايات الحيف الواقع على «الهنود الحمر» أو «العبيد السود» محولة كل ذلك فى طاحونتها إلى حكايات وأساطير مصورة، كانت هى ما جعل تاريخ أمريكا يبدو على الشاشات وكأنه مرسوم على مرآة مُضخَّمة تقدم دراسات وعِبرا فى كيفية أن يكون العالم الحر حرا «على الطريقة الأمريكية»، أى على طريقة ترضى الرقابات المختلفة وتطلعات المجتمع ورغبات السينمائيين أنفسهم بالمشاركة. وهكذا عرفت الأمور كيف تسير رغم مشاكل من هنا وصدامات من هناك، ولكن على الأقل حتى بدايات سنوات السبعين.
ففى تلك السنوات التى نعرف أنها أحدثت كثيرا من التغيير فى أنحاء كثيرة من العالم، وتحت تأثير ثورات الشبيبة الأوروبية وربيع باريس وتساؤلات الأجيال الشابة عن الحروب والكوارث التى صنعتها أجيال الآباء، وغناء «البيتلز» البروليتارى، والحركة النقدية الأوروبية؛ تراكمت تلك التغييرات الجذرية فى الذهنيات، وكان لا بد لها أن تصل بذلك التغير إلى قلب السينما الأمريكية، إنما تعبيرا عن تغيير حقيقى فى التاريخ الأمريكى نفسه. فكان هناك أصحاب اللحى، ولكن أيضا كانت ثمة الشرارتان اللتان لم تترددا فى إشعال ذلك الحريق الذى نسميه الآن «ثورة أصحاب اللحى»؛ أى ذلك الجيل بأكمله من سينمائيين أطلقت حرب فيتنام من ناحية، وفضيحة ووترجيت من ناحية أخرى، غضبا كامنا لديهم ومتراكما منذ زمن بعيد.
كانوا مثقفين وسينمائيين، إنما غير مسيسين بما فيه الكفاية كما هو حال أضرابهم الأوروبيين. ومن هنا كان غضبهم نابعا من أرض الواقع، مما يحدث فى حياتهم وحياة أمتهم اليومية؛ من صورة أكفان الجنود الشبان العائدة من حرب عبثية فى أقصى الشرق البعيد، ومن مجازر جامعة بيركلى، ومن صورة الرئيس اللص ريتشارد نيكسون وهو يتجسس على خصومه السياسيين فى مبنى ووترجيت، ما أدى إلى تجريم وإقالة أول رئيس فى التاريخ الأمريكى يحدث له ذلك.
غير أن ثورة أصحاب اللحى - من كوبولا إلى سكورسيزى، ومن سبيلبرج إلى دى بالما، ومن ميليوس إلى دينيس هوبر وبيتر فوندا وغيرهم وغيرهم - لم تكن فى الشارع، ولا فى ملاعب الجامعات، ولا حتى فى الكونجرس على طريقة فرانك كابرا وسينماه الروزفلتية التصالحية، ولا فى التبدل الخطير فى التعامل مع قضية سكان البلد الأصليين على طريقة كان أهم ما فيها أنهم اكتشفوا مبادرات جون فورد فى التعاطى معها؛ بل على الشاشة التى اكتفت بلعب دورها المعتاد، ولكن هذه المرة عبر مواضيع تفضح إرث الحروب والاستعمار والاستغلال وضروب التمييز العنصرى والتسلط والمافيا وصراعات الأجيال وما شابه ذلك.
وكان ذلك كله ينتقل فى أفلام شعبية واضحة المعالم هادئة الإدانة، ترفض سياسات الأجيال السابقة وتواطؤ السينمائيين الخجول أو المفضوح مع السلطات، لكنها مدعومة بوعى جديد لدى نجوم كان لملامستهم ومساندتهم فى ذلك الفضح الجديد دور حاسم.
وهكذا ولدت السينما الثورية حقا؛ السينما الفاعلة ذات المواضيع التى تمس الأفراد كما تمس الجماعات. ولئن راحت تسير فى أشكالها على نمط يتوخاه النقاد الأوروبيون - ولا سيما الفرنسيون منهم الذين طالما اهتموا بالسينما الأمريكية يسعون لاقتناص تفاصيل «ثورية» أو «مؤدلجة» فيها - فقد راحت سينما أصحاب اللحى تسهل عليهم مهمتهم اليوم، فيما الجمهور العريض، الأمريكى أولا ثم الأوروبى فجمهور العالم كله بعد ذلك، يتبع.
وهكذا إذا كانت السينما الأمريكية، ومنذ أفلام مثل «العراب» و«صائد الغزلان» و«المحادثة» و«سائق التاكسى» - ويمكن لهذه اللائحة أن تطول إلى ما لا نهاية لها بادئة بأفلام بيتر واتكنز وواصلة إلى سينما وودى ألن وأفلام نيويورك ومهرجان سان دانس وتجارب سينما أفلام الطريق ...إلخ - إذا كانت قد واصلت طريقها فى صب التاريخ الأمريكى على شا