مرة أخرى حوار فكرى عربى.. مدخل لبناء نظام إقليمى جديد

سماء سليمان
سماء سليمان

آخر تحديث: الأحد 30 أغسطس 2026 - 8:30 م بتوقيت القاهرة

فى ظل التحولات المتسارعة التى يشهدها النظام الدولى، وما تفرضه من تحديات غير مسبوقة على الأمن والاستقرار والتنمية، تبدو الحاجة ملحّة إلى إطلاق حوار فكرى عربى واسع برعاية الأمين العام لجامعة الدول العربية، يجمع صناع القرار والمفكرين والأكاديميين ومراكز الفكر، بهدف بلورة رؤية مشتركة لمستقبل النظام الإقليمى العربى. فإعادة بناء هذا النظام لم تعد ترفًا سياسيًا، بل أصبحت ضرورة استراتيجية تفرضها البيئة الدولية الجديدة، التى تتسم بتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وتزايد أهمية الأمن الاقتصادى، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والتحول الرقمى، والذكاء الاصطناعى.

غير أن أى حوار جاد حول مستقبل العمل العربى المشترك ينبغى أن ينطلق من حقيقة أساسية، وهى أن الدول العربية لا تنطلق من أولويات متطابقة، وإنما من مصالح وطنية تختلف باختلاف ظروفها السياسية والاقتصادية والجيوسياسية. ومن ثم، فإن نجاح أى مشروع لتطوير النظام الإقليمى العربى يتوقف على القدرة على إدارة هذا التنوع، وليس السعى إلى إلغائه أو تجاوزه نظريًا.

فالدول الخليجية تمنح أولوية لقضايا الأمن الإقليمى، وحماية الممرات البحرية، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز الاستثمار فى التكنولوجيا المتقدمة، فى إطار رؤى تنموية بعيدة المدى. وفى المقابل، تركز دول مثل مصر على معالجة التحديات الاقتصادية، وتعزيز الأمن الغذائي، وخلق فرص العمل، وترسيخ الاستقرار الداخلي. أما الدول التى عانت من النزاعات، مثل سوريا وليبيا والسودان واليمن، فإن إعادة بناء الدولة واستعادة الاستقرار تمثل بالنسبة لها الأولوية القصوى.

ولا يقتصر الاختلاف على ترتيب الأولويات، بل يمتد إلى تباين إدراك طبيعة التهديدات وسبل التعامل معها، وهو ما ينعكس على المواقف من العديد من القضايا الإقليمية. لذلك، فإن بناء نظام عربى جديد على أساس التطابق الكامل فى الرؤى يظل هدفًا غير واقعي، لأن النظم الإقليمية الناجحة لا تقوم على وحدة المواقف بقدر ما تقوم على إدارة الاختلافات ضمن إطار مؤسسى يحقق المصالح المشتركة.

وتؤكد التجارب الدولية هذه الحقيقة. فقد استطاع الاتحاد الأوروبى أن يبنى نموذجًا متقدمًا للتكامل رغم اختلاف أوضاع دوله الاقتصادية والسياسية، مستندًا إلى مبدأ التكامل المتدرج الذى يتيح للدول المشاركة فى مجالات التعاون وفق استعدادها ومصالحها، دون إلزام الجميع بالمستوى ذاته من الاندماج. كما قدمت رابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) نموذجًا ناجحًا لإدارة التنوع، من خلال التركيز على بناء الثقة، وعدم التدخل فى الشئون الداخلية، والتعاون الاقتصادى العملى، وهو ما جعلها واحدة من أكثر الأقاليم ديناميكية فى العالم.

وعلى المستوى العربى، أثبتت العديد من المبادرات أن التعاون ممكن عندما تتوافر الإرادة السياسية، كما هو الحال فى مشروعات الربط الكهربائى، والربط اللوجستى، والاستثمارات المشتركة، والتعاون فى الأمن السيبرانى، ومكافحة الإرهاب، والتحول الرقمى. وتشير هذه النماذج إلى أن المشروعات العملية ذات المصالح المتبادلة يمكن أن تمثل نقطة انطلاق لتطوير العمل العربى المشترك بصورة أكثر واقعية وفاعلية.

ومن هنا تبرز أهمية أن يتبنى الأمين العام لجامعة الدول العربية مبادرة لإطلاق حوار فكرى عربى مؤسسى ومستدام، لا يقتصر على الحكومات، وإنما يشارك فيه الخبراء والجامعات ومراكز الدراسات والقطاع الخاص، بهدف التوافق على المبادئ الحاكمة للنظام الإقليمى العربى الجديد، وتحديد أولويات العمل المشترك خلال العقدين المقبلين، وصياغة تصور عملى لكيفية إدارة التباينات العربية فى إطار مؤسسى أكثر مرونة.

ويمكن أن يناقش هذا الحوار عددًا من القضايا الجوهرية، من بينها آليات التعاون المرن داخل جامعة الدول العربية، بما يسمح بقيام تحالفات قطاعية فى مجالات الاقتصاد والطاقة والأمن الغذائى والنقل والتكنولوجيا، دون اشتراط مشاركة جميع الدول فى كل المبادرات. كما يمكن أن يبحث تطوير آليات اتخاذ القرار فى القضايا غير السيادية، بما يحقق قدرًا أكبر من الكفاءة والسرعة، مع الحفاظ الكامل على سيادة الدول.

كذلك ينبغى أن يمتد النقاش إلى سبل تطوير المؤسسات العربية، من خلال إنشاء كيانات متخصصة تمتلك صلاحيات تنفيذية، مثل مجلس عربى للأمن والسلام، وبنك عربى للاستثمار والتنمية، ومركز إقليمى للإنذار المبكر وإدارة الأزمات، وهيئات للتكنولوجيا والابتكار والذكاء الاصطناعى، بما يعزز قدرة النظام العربى على مواكبة التحولات الدولية والاستجابة السريعة للتحديات المستقبلية.

إن إطلاق هذا الحوار لن يكون مجرد مناسبة فكرية، بل يمكن أن يمثل نقطة انطلاق نحو صياغة عقد عربى جديد للعمل المشترك، يستند إلى الواقعية السياسية، ويحترم تنوع الأولويات الوطنية، ويبحث عن مساحات التوافق الممكنة بدلًا من انتظار الإجماع الكامل.

وفى عالم تتزايد فيه أهمية التكتلات الإقليمية، لم يعد مستقبل الدول يقاس فقط بحجم مواردها، وإنما بقدرتها على بناء شراكات فعالة وإدارة مصالحها الجماعية. ومن ثم، فإن بناء نظام إقليمى عربى جديد يبدأ أولًا بحوار عربى صريح ومسئول، تقوده جامعة الدول العربية، ويؤسس لرؤية استراتيجية مشتركة تحول التنوع العربى من مصدر للاختلاف إلى مصدر للقوة، وتمنح العمل العربى المشترك قدرة أكبر على مواجهة تحديات المستقبل.

كاتبة ومحللة سياسية

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved