درس الاستقلال.. بهاء الدين بين عبد الناصر والسادات
محمد سعد عبدالحفيظ
آخر تحديث:
الأحد 30 أغسطس 2026 - 8:30 م
بتوقيت القاهرة
اقترب الكاتب الصحفى الكبير أحمد بهاء الدين من السلطة، لكنه لم يكن يومًا تابعًا لها؛ أيَّد ثورة يوليو، ودعم قراراتها الاجتماعية والاقتصادية وآمن بمشروعها القومى. اقترب من جمال عبدالناصر، ثم أصبح صديقًا لخلفه أنور السادات، لكن عندما تعارضت قناعاته مع ما يريدانه اختار قناعاته.
لعل أبلغ ما يلخص علاقة بهاء الدين بالسلطة، ما جرى عام 1968، عندما كان نقيبًا للصحفيين، وخرجت مظاهرات الطلبة والعمال احتجاجًا على نتائج محاكمة المسئولين عن هزيمة يونيو.
كان عبدالناصر لا يزال يحظى بمكانة استثنائية لدى بهاء الدين، الذى لم يتخلَ عن إيمانه بالمشروع الذى قاده الرئيس، لكن ذلك لم يمنعه من الانحياز إلى الاحتجاجات ومطالبها المشروعة.
اجتمع مجلس النقابة وقرر إصدار بيان يطالب بمحاسبة المسئولين عن الهزيمة، وتوسيع قاعدة الديمقراطية، وإصدار القوانين المنظمة للحريات العامة، وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية.
مارست أطراف عدة ضغوطًا عليه كى يتراجع عن البيان، لكنه أصر؛ وحين طلب منه على صبرى، أمين الاتحاد الاشتراكى، حجبه كان رده: «الاتحاد الاشتراكى قد يكون مالكًا للمؤسسات الصحفية، لكنه لا يملك نقابة الصحفيين».
صدر البيان ووصل إلى عبدالناصر، فغضب واعتبره «طعنة» من نقابة الصحفيين، لكن حين اقترح البعض اعتقال النقيب، رفض الرئيس قائلا: «لأ.. ده أحمد بهاء الدين وأنا عارفه.. مخه كده».
تكرر الاختبار بعد سنوات، ولكن هذه المرة مع السادات، الذى كانت علاقته ببهاء الدين أكثر من علاقة صحفى برئيس؛ كانت بينهما صداقة وثيقة، لكن الصداقة لم تمنح الرئيس حصانة من قلم صديقه.
فى عام 1974، ومع بدء سياسات الانفتاح الاقتصادى، كتب بهاء الدين مقاله الشهير: «الانفتاح ليس سداحًا مداحًا».
لم يكن اعتراضه على الانفتاح من حيث المبدأ، وإنما على أن يتحول إلى سياسة بلا ضوابط، تفتح أبوابًا للفساد والتفاوت والاستغلال، وتترك المجتمع لموازين السوق وحدها، بينما كان يرى أن الانفتاح يحتاج إلى قواعد تحمى الطبقات الأضعف وتحافظ على العدالة الاجتماعية التى آمن بها.
كان المقال منشورًا فى «الأهرام»، وكاتبه رئيس تحرير أكبر صحيفة عربية، وصديق رئيس الجمهورية، ومع ذلك كتب ما يعتقد أنه صحيح. أثار المقال أزمة، وتعرض بهاء الدين لضغوط انتهت إلى منعه من الكتابة لفترة.
وعندما اندلعت مظاهرات يناير 1977، رفض وصفها بأنها «انتفاضة الحرامية»، وهو التعبير الذى استخدمه السادات لوصف الاحتجاجات. ثم جاءت كامب ديفيد لتعمق الخلاف، إذ رأى بهاء الدين أن مصر لا تستطيع التعامل مع الصراع العربى الإسرائيلى باعتباره قضية مصرية منفردة، وأن السلام المنفرد يضعف الموقف العربى ويضر بالقضية الفلسطينية والدور المصرى، ولذلك عارض الاتفاقية وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
قيمة بهاء الدين أنه لم يكن صحفيًا معارضًا يهاجم السلطة على طول الخط، كما لم يكن صحفيًا مواليًا يطوع موقفه لتبرير إخفاقاتها وتجميل صورتها، بل كان صحفيًا صاحب موقف، منحازًا لما يعتقد أنه صحيح.
أثبت نقيبنا الراحل أحمد بهاء الدين أن قيمة الصحفى لا تقاس بمقدار قربه من السلطة، وإنما بمقدار ما يحتفظ به من استقلال وهو قريب منها؛ ولذلك استحق ما قاله عنه نجيب محفوظ، حين اعتبره واحدًا من «أعظم اثنين قرأ لهما»، إلى جانب محمد حسنين هيكل.
استدعاء سيرة بهاء الدين فى ذكرى رحيله (24 أغسطس 1996)، هو محاولة لاستعادة النموذج الذى ينبغى أن يكون عليه الصحفى.
فرغم أن المناخ السياسى لم يكن يسمح بصناعة صحافة حرة، وكانت السلطة تفرض عليها قيودًا، فإن بهاء الدين وغيره من بعض أبناء صاحبة الجلالة فى ذلك الحين أصروا على أداء واجبهم فى النقد والاشتباك مع السلطة، وتسليط الضوء على مواضع الخلل، أيًا كانت الأثمان التى سيدفعونها.
أما اليوم، فقد أصبحت أزمة الصحافة أعمق؛ أصبح الصحفى محاصرًا بأوضاع اقتصادية وسياسية أقسى؛ فالأجور لا تتناسب مع أعباء المهنة، والملكية صارت شديدة التركيز، ومساحات الحركة تضيق يومًا بعد يوم، والخوف من العواقب جعل الصحفيين «حراس بوابة» يمارسون الرقابة على ما يكتبون خوفا من الملاحقة والعقاب.
تلك الأوضاع البائسة قللت من قيمة المحتوى الذى لم يعد يُشبع شغف الجمهور ولا يرضى السلطة التى تبحث عن منصات قادرة على إقناع الناس بسياساتها وتوجهاتها.
وإذا كنا نريد شعبًا مستعدًا لـ«تحمل تبعات الإصلاح والتغيير»، فعلينا أولًا أن نبحث عن الأسباب الحقيقية التى قادت إلى «حالة الفوضى التى ضربت وسائل الإعلام»، فبدون صحافة مهنية مستقلة، لن نستطيع استعادة ثقة الناس فى الإعلام، ولا ثقة السلطة فى قدرته على أداء دوره.