التعليم فى عصر الذكاء الاصطناعى.. أى إنسان نريد أن نصبح؟
قضايا تكنولوجية
آخر تحديث:
الأحد 30 أغسطس 2026 - 8:35 م
بتوقيت القاهرة
ربما يتمثل أحد أكبر الأخطاء الفكرية التى يمكن الوقوع فيها فى عصر الذكاء الاصطناعى فى محاولة إثبات قيمة الإنسان من خلال البحث المستمر عمّا تعجز الآلة عن القيام به. فحدود القدرة التقنية ليست ثابتة، وما يبدو اليوم نشاطًا بشريًا يصعب على الآلة أداؤه قد يصبح غدًا جزءًا من قدراتها المتنامية.
لذلك، فإن السؤال الأكثر عمقًا لا ينبغى أن يكون: ما الذى سيبقى للإنسان لأن الآلة لا تستطيع فعله؟ بل: ما الذى يجب ألا يتخلى الإنسان عن مسئوليته عنه، مهما اتسعت قدرات الآلة وتطورت إمكاناتها؟
ليس كل ما هو تقنى أفضل
الاستخدام المسئول لا يعنى استخدام الذكاء الاصطناعى فى كل نشاط. فكل استخدام جديد للتكنولوجيا ليس بالضرورة استخدامًا أفضل.
قبل استخدام أى أداة ينبغى أن نسأل: هل تضيف قيمة تعليمية حقيقية؟ هل تستحق الموارد المالية والبشرية والتقنية التى تتطلبها؟ وهل جاءت استجابةً لحاجة فعلية، أم لأن التكنولوجيا أصبحت متاحة فحسب؟
وهنا يظهر مبدأ الاستخدام المتناسب: استخدم الذكاء الاصطناعى عندما يضيف قيمة واضحة، لا لمجرد إثبات أنك تستخدم الذكاء الاصطناعى.
المعلم: ماذا نفعل بالوقت الذى تعيده إلينا الآلة؟
يمكن للذكاء الاصطناعى اليوم مساعدة المعلم فى تخطيط الدروس، وتوليد الأسئلة والأمثلة، وتكييف الموارد، وإعداد مسودات التغذية الراجعة، وتحليل بعض البيانات واستكشاف الأفكار. لكن القيمة الكبرى لهذه الأدوات لا ينبغى قياسها بعدد المهمات التى استطاع المعلم تفويضها إلى الآلة، بل بما يفعله بالوقت والقدرة اللذين استعادتهما بفضلها.
فإذا وفرت الأداة للمعلم عشرين دقيقة من إعداد نشاط، فإن السؤال التربوى الحقيقى هو: ماذا سيفعل بهذه الدقائق؟ هل سيستخدمها لإنتاج مزيد من الأوراق؟ أم للحوار مع الطلاب؟ لمتابعة المتعثر؟ لتقديم تغذية راجعة أعمق؟ لبناء علاقة أفضل؟ لطرح سؤال أكثر تحديًا؟ أو للتنبه إلى طالب لم يشارك؟
القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعى فى التعليم ليست فى مقدار العمل البشرى الذى يلغيه، وإنما فى مقدار العمل الإنسانى ذى القيمة الذى يسمح لنا باستعادته.
وتكشف نتائج TALIS 2024 التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادى والتنمية أن متوسط استخدام الذكاء الاصطناعى بين معلمى المرحلة الدنيا من التعليم الثانوى فى أنظمة OECD بلغ نحو 36%. وفى المقابل، أفاد ثلاثة من كل أربعة معلمين ممن لم يستخدموه بأنهم يفتقرون إلى المعرفة أو المهارات اللازمة للتدريس باستخدامه.
وهذه فجوة شديدة الدلالة: امتلاك الأداة لا يصنع التحول؛ بناء قدرة الإنسان هو الذى يصنعه. ولذلك يصبح المعلم أكثر من مستخدم للتقنية؛ يصبح حارس الغرض التربوى: لماذا نستخدمها؟ ولمن؟ وما الذى ستضيفه؟ وما الذى قد نخسره بسببها؟ وهل أصبح الطالب بعدها أكثر قدرة أم أكثر اعتمادًا؟
من الذكاء الفردى إلى الذكاء المؤسسى
ولا يكفى أن يمتلك معلم أو طالب وعيًا جيدًا باستخدام الذكاء الاصطناعى. فالمؤسسة تحتاج إلى مستوى آخر من التفكير.
يمكن أن يكون لديها معلم ممتاز يستخدم الأداة بمسئولية من دون وجود سياسة واضحة للبيانات. وقد تستخدم منصة متقدمة من دون تقييم مخاطرها. وقد تنظّم جامعة عشرات الورش حول الذكاء الاصطناعى من دون أن تعرف فى النهاية ما إذا كان استخدامه قد حسن التعلم أو البحث فعلًا.
وفى مسح عالمى نشرته اليونسكو عام 2025 وشمل 400 استجابة من كراسى اليونسكو وشبكات UNITWIN فى 90 دولة، أفادت قرابة ثلثى المؤسسات المشاركة بأنها وضعت توجيهات لاستخدام الذكاء الاصطناعى أو تعمل على تطويرها، فيما أبلغ واحد من كل أربعة مشاركين عن أن مؤسسته واجهت بالفعل قضايا أخلاقية مرتبطة باستخدامه.
إنها إشارة واضحة إلى أن القضية تجاوزت الاستخدام الفردى وأصبحت قضية حوكمة مؤسسية. لذلك يجب الانتقال من الاستخدام إلى الاستراتيجية، ومن سؤال: كيف أستخدم الذكاء الاصطناعى؟ إلى سؤال أوسع: كيف نبنى نظامًا يستخدمه بمسئولية ويخلق قيمة قابلة للقياس والتحسين؟
لا تقيس عدد الاستخدامات.. قِس ما تغيّر
يمكن لمؤسسةٍ أن تعلن امتلاكها عشر أدوات، ومئات المستخدمين، وآلاف التفاعلات مع الذكاء الاصطناعى. لكن هذه الأرقام تقيس النشاط، ولا تثبت النجاح.
السؤال الحقيقى هو: هل تحسن التعلم؟ هل أصبحت التغذية الراجعة أفضل؟ هل ارتفعت جودة البحث؟ هل وفر المعلم وقتًا ثم أعاد استثماره تربويًا؟ هل تحسنت العمليات؟ هل استفاد مختلف المتعلمين؟ هل تقلصت الفجوات بدلًا من أن تتسع؟ هل ظلت الخصوصية والنزاهة والدقة محمية؟
علينا الانتقال من قياس استخدام الذكاء الاصطناعى إلى إثبات قيمة الذكاء الاصطناعى. فالغاية ليست أن تصبح المؤسسة أكثر استخدامًا للـAI؛ بل أن تصبح أفضل فى التعليم، وأقوى فى البحث، وأكثر حكمة فى القيادة بفضله.
ومن هنا يقترح الإطار ثلاثة مجالات لصناعة القيمة: TEACH - التعليم، RESEARCH - البحث، LEAD - القيادة.
فى التعليم، ليست الغاية معلمًا ينتج درسًا أسرع فقط، بل تعلمًا أفضل. وفى البحث، يمكن للذكاء الاصطناعى أن يساعد فى استكشاف الأدبيات وتنظيم الأفكار وتحليل بعض البيانات وتطوير المسودات، لكن السرعة لا تعفى الباحث من المنهج والتحقق والأصالة والإفصاح والمسؤولية عن ادعاءاته.
أما فى القيادة، فتتحول المبادرات الفردية إلى ثقافة مؤسسية، ويصبح السؤال: ماذا نتبنى؟ ماذا نرفض؟ من يملك القرار؟ كيف نحمى المتعلم والعامل؟ كيف نقيس النجاح؟ ومتى نتوقف عن استخدام أداة لم تعد تضيف قيمة؟
الإنسان أولًا
قد يكون من أخطر الأخطاء الاستراتيجية تبنى منطق AI-first، أى البدء بسؤال: أين يمكن إدخال الذكاء الاصطناعى؟ الأكثر نضجًا هو أن نبدأ بالإنسان والمشكلة والقيمة المراد تحقيقها.
ويمكن اختصار هذه الفلسفة فى ثلاث عبارات: Human-first: الإنسان أولًا. AI-enabled: الذكاء الاصطناعى داعم للقدرة الإنسانية. Impact-driven: الأثر هو معيار النجاح.
هذه ليست دعوة إلى الخوف من التكنولوجيا أو مقاومتها، بل إلى استخدامها بدرجة أعلى من النضج والمسئولية.
الإنسان والآلة.. السؤال الخطأ والسؤال الصحيح
لا ينبغى أن تنتهى مناقشة مستقبل التعليم إلى ثنائية «الإنسان ضد الذكاء الاصطناعى». فالذكاء الاصطناعى يستطيع بالفعل توسيع قدرة الإنسان إلى درجة كبيرة، ومساعدة المعلم والباحث والقائد، وتحسين العمليات، وتوسيع الوصول إلى المعرفة وفتح أشكال جديدة من التعلم.
لذلك لا يتمثل السؤال الحقيقى فى ما إذا كنا سنستخدم الذكاء الاصطناعى. السؤال هو: أى نوع من البشر سنصبح ونحن نستخدمه؟
هل سيجعلنا أكثر فضولًا أم أكثر اتكالية؟ هل سيزيد قدرتنا أم اعتمادنا؟ هل سيجعلنا أكثر معرفة، أم أكثر استعدادًا لتصديق الإجابات الجاهزة؟ هل سيعزز الإبداع، أم يدفع نحو مزيد من التشابه؟ هل سيمنحنا وقتًا أكبر للعلاقة الإنسانية، أم سيحول التقنية نفسها إلى غاية؟
المهمة التربوية الجديدة هى أن نجعل الذكاء الاصطناعى يوسع قدرة الإنسان من دون أن يصغّر مسئوليته.
من البقاء إلى الذكاء الإنسانى
يمكن النظر إلى رحلة التربية من خلال مسار من الحاجات والأدوار المتراكمة. منحها البقاء ضرورتها، ومنحتها المعرفة محتواها، وأعطتها الصناعة النظام والقدرة على تنظيم الإنتاج، وأضاف التفكير السؤال والتحليل والتحقق والحكم، واليوم يأتى الذكاء الإنسانى ليضيف الغاية والحكمة والمسئولية.
وبذلك يمكن اختصار المسار: البقاء ← المعرفة ← الصناعة ← التفكير ← الذكاء الإنسانى.
هذه ليست مراحل تاريخية تلغى إحداها الأخرى. فالإنسان ما زال يحتاج إلى المعرفة والإنتاج والتفكير، لكنه يحتاج اليوم إلى جمعها فى مستوى أعلى يجعله قادرًا على أن يعرف ويفكر ويتحقق ويستخدم ويختار ويهتم ويحكم ويتحمل المسئولية.
مسئولية الإنسان
يمكن فى النهاية اختصار هذه الرحلة كلها بمبدأ واحد: كلما ازدادت قدرة الآلة، لا ينبغى أن تنخفض مسئولية الإنسان، بل ينبغى أن ترتفع.
عندها لا يعود السؤال التربوى الأكبر متعلقًا بما تستطيع الآلة فعله، ولا حتى بما يستطيع الإنسان أن يفعله بصورة أفضل منها. يصبح السؤال: أى إنسان نريد أن نصبح عندما تصبح بين أيدينا آلة تستطيع أن تفعل أكثر فأكثر؟
لن تأتى الإجابة عن هذا السؤال من التكنولوجيا وحدها. ستأتى من التربية.
لأن مستقبل التعليم فى عصر الذكاء الاصطناعى لن تحدده قوة الآلة وحدها، بل حكمة الإنسان فى تقرير كيف يستخدم هذه القوة، ولماذا يستخدمها، ولمصلحة من؟
فالذكاء الاصطناعى يستطيع أن يوسّع نطاق ما يمكن للإنسان أن يفعله، أما التربية، فعليها أن تحدد من نريد أن نكون.
أنور كوثرانى
جريدة النهار العربى