مذكرات ما بعد المنصب
خولة مطر
آخر تحديث:
الأحد 30 أغسطس 2026 - 8:40 م
بتوقيت القاهرة
ما إن يترك ذاك الوزير أو الرئيس أو المسئول فى منظمة دولية منصبه، حتى يفكر فى كتابة مذكراته. وفى كثير من الأحيان تأتى بلغة من النوستالجيا والرومانسية، ربما خلقها عمدًا، وربما صنعتها الذاكرة دون إدراك أو وعى حقيقى. فكثير ممن يتربعون طويلًا على المناصب يصابون بذاك الداء الرهيب والمزمن: داء الكرسى وغوايته التى يصعب مقاومتها…
• • •
يحاول البعض الكشف عن أسرار وقضايا تجعل المذكرات أكثر «دسامة» وإثارة، وتشد القراء لمعرفة ما كان يجرى خلف الأبواب المغلقة. وهذا أمر طبيعى، بل مطلوب؛ فنحن نريد أن نعرف ما حدث بالفعل، لا فقط ما نُشر وانتشر. ومن هنا تأتى أهمية مذكرات تكشف وتفسر وتضيف إلى معرفتنا بالتاريخ أو صناعته!
• • •
لكن ثمة نوعًا آخر يبدو وكأنه زيارة إلى الحج بعد ارتكاب المعاصى: محاولة للاغتسال مما علق بالسمعة والتاريخ من مواقف وقرارات، والعودة إلى المبادئ القديمة بعد أن انتهت آخر فرصة لمنصب أو رتبة أو تميز. ولا فرق هنا بين مسئول غربى وآخر من جنوب العالم، أو مما اعتدنا تسميته «العالم الثالث». ثالث بالنسبة لمن؟ ومن صنّف العالم أصلًا؟ ما علينا!!!
• • •
المسألة عالمية. روبرت ماكنمارا، وزير الدفاع الأمريكى وأحد مهندسى حرب فيتنام، عاد بعد عقود ليقر بأن الولايات المتحدة كانت مخطئة بشكل فادح. لكن الاعتراف جاء بعد أن قُتل الملايين، وتغيرت حياة أجيال، ودُمرت مدن وتاريخ ومستقبل. وتونى بلير، مهندس الحرب على العراق، ظل بعدها يفسر ويدافع ويقر بأخطاء فى المعلومات والتخطيط. فماذا تفعل الاعترافات المتأخرة أمام بلد دُمرت مؤسساته وتشظى مجتمعه؟ بل إنه، أى تونى بلير، لا يزال يقوم بالشيء نفسه، وهو هندسة الحروب والخراب والدمار فى بقع أخرى، بعد أن أنهى مهمته فى العراق!!!
• • •
ولعل المثير أن الباحثين فى المذكرات السياسية أنفسهم يحذرون من التعامل معها كأنها مرآة صافية للتاريخ. فهى مصدر مهم لمعرفة ما جرى داخل غرف القرار، لكنها أيضًا رواية يكتبها صاحبها عن نفسه. وقد لاحظ باحثون أن السياسى حين يكتب بعد خروجه من السلطة يسعى، فى كثير من الأحيان، إلى تقديم «جانبه من القصة»، والدفاع عن إرثه، وترتيب الأشخاص والأحداث والقرارات فى رواية أكثر انسجامًا مع الصورة التى يريد أن يتركها للتاريخ. لذلك ربما علينا أن نقرأ ما بين سطور المذكرات بقدر ما نقرأ السطور نفسها.
• • •
لسنا بالطبع ضد مراجعة النفس والاعتراف بالقرارات الخاطئة؛ بل لعل هذا ما يجعل المذكرات وثيقة مهمة، تكشف كيف تُصنع القرارات ومن يصنعها، وفى أى غرف: هل هى فى العاصمة نفسها أم فى عواصم بعيدة تحرك المسئولين كأحجار الشطرنج؟ المشكلة حين تتحول المراجعة إلى تبرئة، والأسوأ حين يُنقل اللوم إلى المواطن نفسه، وكأن المطلوب تحرير النفوس من آخر ذرة عتب بقيت تجاه المسئول. فيقال إن سبب فشل السياسات هو شعب «اتكالى»، أو «كسول».
• • •
حتى إن مسئولًا عربيًا كبيرًا، شغل مناصب وزارية فى بلاده ثم أُسندت إليه مهمة فى بلد عربى أنهكته الحروب والانقسامات وتاريخ طويل من الظلم والفساد، تجرأ فى منتدى عالمى على القول إن مشكلة ذلك الشعب أنه اعتاد «الدلع» والاتكال على حكومته، ولا يعرف كيف ينتج، وإن كل ما يفعله الآن هو الجلوس لساعات على وسائل التواصل لينتقدنا نحن «القادمين لإنقاذه».
ثم يتوقف… ويصفق له كثيرون وكثيرات من أبناء بلده ومن عرب آخرين، ينتمون إلى شريحته أو طبقته، أى من يُطلق عليهم «المثقفون»، تلك الكلمة التى تحولت من وصف لشخص إلى وظيفة.
• • •
وهنا ربما تكمن غواية أخرى أشد خطرًا من غواية الكرسى: أن يعيد المسئول كتابة تاريخه، وأن نساعده نحن فى ذلك، فنغفر السياسات لأنها أصبحت ماضيًا، ونحمّل نتائجها لمن دفع ثمنها، أو لشخص كان هناك، أو حتى للشيطان نفسه!
كاتبة بحرينية