سوريا من «اللامنتمى» إلى اغتراب المعنى

سمير العيطة
سمير العيطة

آخر تحديث: الأحد 30 أغسطس 2026 - 8:40 م بتوقيت القاهرة

للسؤال عن كيفية بناء المواطنة السورية فى زمن الجراح وجهٌ آخر، أقلّ ظهورًا وربّما أكثر عمقًا: كيف نبنى الانتماء لدى إنسان لم يعُد واثقًا من معنى الانتماء نفسه؟ وكيف يقتنع بالمواطنة إذا كانت كلمات مثل «الوطن»، و«الدولة»، و«القانون»، و«العدالة»، و«الثورة»، و«المقاومة»، و«المصلحة الوطنية» قد استُهلِكت خلال عقود فى خطابات متناقضة، حتى باتت الكلمة الواحدة قادرة على أن تعنى الشىء ونقيضه؟ إنّ أزمة المواطنة السورية هى أيضًا تاريخٌ طويلٌ من الاغتراب.

• • •

أتى الاغتراب الأوّل مع نكسة 1967. ومثّله شغفٌ لافتٌ فى سوريا بكتابٍ عنوانه «اللامنتمى» للكاتب الإنجليزى كولن ويلسون، الذى كان قد تُرجم إلى العربية سنة 1958. وكان السوريّون مفتونين قبل 1967 بوجوديّة «الالتزام» وأفكار جان بول سارتر وألبير كامو: أنّ الإنسان حرّ حتّى تجاه المجتمع الذى يعيش فيه، وأنّ حريّته مسئولية. فاندمج هذا الالتزام الإيجابى مع أفكار التحرّر والنضال ضد الاستعمار والوحدة العربية وبناء الدولة الحديثة.

كانت هزيمة 1967 بالطبع عسكريّة. احتلّت إسرائيل الجولان وسيناء والقدس الشرقيّة والضفة الغربية، ناهيك عن فلسطين التى كانت قد سُلِبت قبل ذلك. لكن الصدمة الأشدّ لم تكن فى خسارة الأرض وحدها، بل فى انهيار منظومة كاملة من اليقين ومن معانى الكلمات والمبادئ. هنا بدأ الاغتراب السورى الأول: ليس أن يشعر الإنسان أنّه غريب عن مجتمعه، كما فى بعض صور الاغتراب الوجودي، بل أن يصبح غريبًا عن اللغة التى كان يفهم مجتمعه والعالم من خلالها.

قبل النكسة كان السؤال الوجودى: كيف نصنع حريتنا؟ وبعدها أصبح السؤال: هل ما زلنا أصلًا قادرين على الفعل؟ كانت صدمة تاريخية جماعية. الكلمات بقيت، لكن معانيها انهارت. اللغة والمفاهيم هُزِمَت أيضًا. وترسّخ شعورٌ بالعجز. وحتّى سارتر، رمز «الالتزام» لدى جيلٍ كامل، انحاز لإسرائيل. وتحوّلت كلمة «اللامنتمي» نفسها تقريبًا إلى توصيفٍ لجيل بات يشعر بأنّه خارج العالم الذى يُفترَض أنّه ينتمى إليه.

انطلق أدونيس فور الهزيمة ليكتب «بيان 5 حزيران». وكتب صادق جلال العظم «النقد الذاتى بعد الهزيمة». وياسين الحافظ «الهزيمة والأيديولوجية المهزومة». وسعد الله ونوس «حفلة سمر من أجل 5 حزيران». وأنشد نزار قبانى «هوامش على دفتر النكسة»، مصرًّا على تسميتها نكسة لا هزيمة.

لكن الهزيمة، وهذا النقد القاسى للذات، لم يؤدّيا إلى مساءلة حقيقيّة للمجتمع والسلطة، وإعادة التفكير فى المفاهيم والبنى المجتمعيّة القائمة. فقد كانت السلطة أسرع من النقد، فاحتوته. واستخدمت المفاهيم ذاتها لتبرير استبدادها، وفرض ضبطٍ أشدّ قسوةً على المجتمع، تحت شعارات «المواجهة» و«الصمود» وغيرها. هكذا اتجهت شرائح واسعة من المجتمع، على مدى العقود التالية، إلى الاحتماء بمرجعيّات اجتماعية ودينية أكثر محافظةً. وكان الانتشار المتزايد للحجاب أحد المظاهر الاجتماعية لهذا التحوّل، لا سببه وتعبيره الوحيد. وفى المقابل بقيت مفردات التحرّر والعروبة حاضرة، لكن قيمتها الفعلية تآكلت وفقدت قدرتها على الإقناع. كان المواطن يسمع خطابًا عامًّا ويعرف أنّه لا يصف الواقع، والسلطة تعرف أنّه يعرف، لكنه يستمرّ فى تكراره والتظاهر بالتصديق، وهى تستمرّ فى التظاهر بأنّها مصدّقة. ويستمرّ الجميع فى اللعبة. إنّه نوعٌ من السخرية الجماعية، وربما كان هذا أخطر من الكذب نفسه.

• • •

تحوّل الاغتراب بذلك إلى نوعٍ من الصلافة أو الكلبيّة (cynism) لا يطابق الواقع: أن يعرف الجميع أن الخطاب لا يطابق الواقع، ومع ذلك تستمرّ اللعبة لأن لا أحد يملِك القدرة أو المصلحة فى إيقافها. ومن هنا بدأ سقوط القيم الفكرية والاجتماعية والسياسية. فعندما يصبح النجاح فى الحياة مرتبطًا بالقرب من السلطة أكثر من ارتباطه بالكفاءة، تصبح الكفاءة سذاجة. وعندما يصبح القانون قابلًا للالتفاف، يصبح احترامه عبئًا. وعندما يرى الإنسان أن الشعارات الأخلاقية، وحتّى الدينيّة، لا تمنع أصحابها من ممارسة نقيضها، يبدأ هو نفسه بفصل الأخلاق عن السلوك. وهكذا يتحوّل السؤال من: «ما الصحيح؟» إلى: «ما الذى ينفع؟». ومن: «بماذا أؤمن؟» إلى: «ماذا يجب أن أقول كى أعيش؟».

التقط هانى الراهب فى أدبه كيف تتآكل العلاقات الاجتماعية والإنسانية من الداخل، فيما وصف ممدوح عدوان وجها من وجوه هذا الاغتراب بـ«حيونة الإنسان».

ثم جاءت سنة 2011، وانفجر كل ما تراكم خلال عقود. كانت فى بدايتها محاولة لاستعادة القدرة على الفعل، والقول إنّ التغيير ممكن، قبل كلّ الانقسامات والحروب والتدخّلات الخارجية التى أعقبتها. كانت محاولةٌ للخروج من شلل الحرية، لكنّ الأمر انتهى بكارثة.

دخل السوريون فى تجربةٍ لم يعُد لفظ «الاغتراب» (alienation) القديم كافيا لوصفها. مدنٌ دُمِّرت. وأحياءٌ مُحيت. وعائلات تشتّت. وملايين غادروا البلاد. وملايين نزحوا داخلها. معتقلون ومفقودون وقتلى ولاجئون. وجيلٌ كامل نشأ فى أماكن لا يعرف فيها وطنه إلاّ من حكايات أهله.

فى الاغتراب الكلاسيكى يشعر الإنسان بأنّه غريبٌ عن مجتمعه. أمّا السورى فى سنوات الحرب فقد أصبح غريبًا أحيانًا عن بيته نفسه، وعن مدينته، وعن ذاكرته، بل وعن اللغة التى يستخدمها لتفسير ما يحدث. هل ما جرى «ثورة» أم «مؤامرة» أم «جهاد» أم «حرب على الإرهاب» أم «حرب أهليّة»؟ هكذا لم يعُد السوريون مختلفين فقط حول المستقبل؛ بل أصبحوا مختلفين أيضًا حول تسمية الماضى والحاضر نفسيهما.

ثمّ سقطت السلطة الاستبداديّة إلى غير عودة. وبرز الأمل فى أن يكون واحدٌ من أكبر أسباب الاغتراب السورى قد انتهى. وبالفعل انتهى عالمٌ كاملٌ. لكن نهاية عالم لا تعنى تلقائيًا ولادة عالمٍ آخر يستطيع الجميع الانتماء إليه.

• • •

القوى التى تصدّرت السلطة الجديدة فى دمشق خرج جزءٌ أساسى من قياداتها من بيئة إسلامية جهادية، مرّت بتحولات فكرية وسياسيّة متعاقبة. وقد قام جانبٌ مهمّ من خطاب تلك البيئة، فى مراحلٍ سابقة، على تقسيمٍ صارمٍ للعالم بين معسكرات متعارضة، وعلى مفاهيم الولاء والعداء، وعلى موقفٍ شديد الارتياب من الغرب ومن كثيرٍ من أشكال التعدّد الدينى والسياسى.

لكن السلطة تغيّر الأفكار، أو على الأقلّ تغيّر طريقة استخدامها. فسرعان ما أصبح المطلوب هو اعتراف الغرب، ورفع العقوبات، وجذب الاستثمار، وفتح السفارات، والحصول على الدعم الدولي. وأصبح خصوم الأمس شركاء لا غنى عنهم فى بناء شرعية السلطة الجديدة.

ليس العيب هنا فى الواقعية السياسية. فكلّ دولة تحتاج إلى العلاقات والمصالح والتسويات. ومن مصلحة سوريا فعلًا الخروج من العزلة وإعادة بناء البلاد والعلاقات مع العالم. لكنّ القصّة أعمق. إنها تكمن فى الفارق الهائل بين يقين الأيديولوجيا حين تكون خارج السلطة وبراجماتيتها حين تصل إليها. فعندما يقال لجيل كامل إن قضيةً ما عقيدة لا تقبل المساومة، ثم تتحوّل عند اختبار السلطة إلى ملفّ تفاوض؛ وعندما يصبح من صُوّر بالأمس عدوًّا وجوديًّا شريكًا أساسيًّا مطلوبًا اليوم؛ وعندما تتحوّل الحدود بين الحلال والحرام، والولاء والعداء، والمبدأ والمصلحة إلى حدود شديدة المرونة، فإن المجتمع لا يتعلّم بالضرورة الواقعية.

إنّه يتعلّم شيئًا أكثر خطورةً: أنّ المبادئ ليست سوى أدوات مؤقتة، وألّا يصدّق أحدٌ أحدًا. وهذا هو الاغتراب السورى الجديد. فبعد 1967 كان السورى يقول: «لقد هُزمنا وهُزمت آمالنا». وخلال عقود الاستبداد أصبح يقول: «لا أستطيع تغيير شىء». وخلال الحرب قال: «لم أعُد أعرف أين وطنى». أمّا اليوم فقد يُصبح السؤال: «هل هناك أصلًا شىء اسمه مبدأ؟ ودولة ووطن وشعب وقانون؟».

المجتمع الذى يؤمِن بفكرة مهما كانت متشدّدة، يستطيع أن يدخل فى صراعٍ معها وأن يراجعها. أمّا المجتمع الذى يفقد الإيمان بفكرة المبدأ نفسها، فقد يصبح مستعدًّا لقبول أيّ شىء تقريبًا ما دام يحقّق له الأمن أو المال أو النفوذ. وعندئذ تنهار الحدود الأخلاقية بين الوسيلة والغاية.

• • •

ليست المشكلة الكبرى اليوم فقط فى كتابة دستور أو تشكيل حكومة أو الحصول على اعتراف دولى. التحدّى الأصعب هو إعادة بناء الإيمان بأنّ للكلمات معنى: أنّ القانون يعنى القانون، وأنّ المواطنة لا تتغير بحسب الطائفة، وأن العدالة ليست انتقامًا، وأن الحرية ليست شعارًا مرحليًّا، وأن امتلاك السلطة لا يمنح صاحبها احتكار الحقيقة.

بعد 1967 قرأ السورى «اللامنتمى» لأنّه شعر بالغربة فى عالم لم يعُد يفهمه. أمّا بعد هذه الحرب الطويلة، فقد أصبح السؤال أشدّ قسوةً: كيف يستطيع الإنسان أن ينتمى من جديد إلى وطنٍ تغيّر فيه كل شىء، من دون أن يفقد حقّه فى الشك، وذاكرته، وقدرته على التمييز بين المبدأ والمصلحة؟ ربما يكون هذا هو السؤال الوجودى السورى الحقيقى للمرحلة المقبلة.

رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب

 

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved