شواهد على قبور الصحف

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الأحد 30 سبتمبر 2018 - 9:55 م بتوقيت القاهرة

كلما أغلقت صحيفة أبوابها انقبض قلبى وكثيرون مثلى فى أوطان لم تعد قادرة على استيعاب أشباه الإعلاميين والصحف والمجلات الهزيلة التى تحولت كذلك بفعل أشكال من الرقابة المباشرة أو غير المباشرة.
***
بالأمس كانت الصفحة الأولى لصحيفة الأخبار اللبنانية شبيهة «بورقة النعوة» أو إعلان تعزية لم يكن ينقصه سوى الخط الأسود فى رأس الصفحة.. وهذه المرة كان الخبر أكثر إيلاما أو ربما لأن أعداد الشواهد فى مقابر الصحف العربية قد زاد، كان غلاف الأخبار موجع حتى البكاء.. فدار الصياد العريقة ستغلق أبوابها وتنهى بذلك حقبة من تاريخ عريق فى الإعلام سواء اتفقنا أم اختلفنا مع توجهات كل صحيفة أو جريدة أو مجلة.. فجيل من الصحفيين اللبنانيين والعرب تربى هناك وكبر ومنها انتقل ليشكل مرحلة كاملة من تاريخ هذه المنطقة حيث ازدهرت فيها الصحافة ولمعت فيها كثير من الأسماء الصحفية التى لا يزال بعضها يعيش معنا ويشكل إغلاق دار الصياد بالنسبة لهذه الفئة من الصحفيين المخضرمين أو الصحفيين الحقيقيين هى الفصل الأخير من مساءات طويلة وسلسلة من التحقيقات والأخبار.. صحفيون انتقلوا ليتابعوا الأحداث حتى لا يتصور بعض الصغار أن المراسلين الحربيين بدأوا معهم هم فقط!
***
عندما أغلقت السفير أبوابها قبل فترة ليست بعيدة كثرت التعازى وراح الكثيرون يبحثون عن بدائل إلا أن تعويض تلك الصحف أصبح صعب جدا فيما المساحات المتاحة لمعرفة حتى أبسط الأخبار وأكثرها تفاهة يعد ضرب من المستحيل إلا للباحثين والصابرين على تردى وضع الإعلام العربى بشكل عام وليس اللبنانى فقط.
***
وعندما دار الحديث أن صحيفة الحياة هى الأخرى ستغلق مكاتبها فى لندن ثم بيروت وتنهى طبعاتها إلا المتبقى منها فى الرياض ودبى، احتار كثيرون فى البحث عن الأسباب فهل هو التمويل فقط أم أن هناك محاولة لتضييق المساحات حتى يصاب القارئ العربى بالضجر ويبتعد أكثر عن القراءة وهو الأقل فى هذا المجال بين شعوب العالم! ففيما كانت قراءة الصحف هو ما تبقى من أشكال القراءة إلا لقلة قليلة، رحلت هذه الأخرى وأصبح العربى يلتهى بالانستجرام والواتس أب أما لنشر فكر الكراهية للأخر ونشر الأكاذيب التى مع انتشارها تصبح حقيقة، أو ليستمع لأحاديث عن آخر صيحات الموضة أو الأكلات والمطاعم والمقاهى وفى أحسن الأحوال يقوم أحدهم بوضع النصائح عن كيف أن حليب الإبل أم لم يكن بولها يشفى من أمراض عدة فيعاد إرسال تلك الرسالة من جاهل لتصبح المعلومة وكأنها قادمة من باحث فى الطب والأمراض!
***
كثرت الشهود على قبور إعلامنا ولم يتبق إلا القليل من الصحف وهى فى مجملها موجهة وتابعة سياسيا لخطوط متعددة حتى تذكرت حديث ذاك الصديق الصحفى العريق عندما جاء ليهنئ بإطلاق صحيفة الوقت البحرينية كصحيفة مستقلة، فقال هل تصدقون أن هناك صحيفة مستقلة فى بلدنا إما أن تكون سنية أو شيعية وإلا فلها الموت وهكذا مات الوقت سريعا وهى لا تزال شابة فتية ووضعت على قبرها الزهور وبعض الدمع والأسف.
***
كثرت الشواهد فى المقابر وبقى السؤال الحائر لماذا نستمر فى تدريس الإعلام كتخصص فى جامعاتنا فيما أجيال من الإعلاميين والصحفيين لا يملكون سوى الجلوس عند حافة المقاهى يحتسون الشاى والقهوة ويعيدون رسم الذكريات الجميلة لأزمان كانت ولصحف وبرامج تليفزيونية ومحطات فتحت أبوابها لتتصارع الأفكار دون أن تدخل فى حروب قاتلة.
فالصحفيون والصحفيات العاطلون والعاطلات أكثر من أعداد الداخلين الجدد إلى كليات الإعلام والصحافة فى جامعاتنا من المغرب حتى عمان وتبقى مشاهد شواهد القبور أمام الجميع يمرون أمامها وبالقرب منها ثم يعودون للعيش فى حلم لم يكتمل وربما لن يكتمل والمساحات تضيق على الرأى ليس فقط فى الإعلام والصحافة وإنما حتى فى كل المجالات الأخرى.. فأين هى الجمعيات المستقلة التى لا تنتمى إلى طرف أو رأى أو حزب أو عائلة أو سلطة وأين هم البرلمانيون المستقلون القادرون على طرح الأسئلة الصعبة والحرجة عن ميزانيات تهدر حتى آخر قطرة عرق من متقاعد ! فماذا بعد؟ كثرت مقابر الحريات حتى أصبحت مدننا ما هى إلا مجموعة من المقابر وشواهد كالمومياوات تعيد التذكير بتاريخ مضى فيما نعرف جميعا أن أمة تعيش على ماضيها العتيد فقط لا مستقبل لها!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved