من الشام إلى باب المندب.. الجغرافيا لا تعترف بالملفات
طارق فريد زيدان
آخر تحديث:
الأربعاء 30 سبتمبر 2026 - 6:45 م
بتوقيت القاهرة
الشرق الأوسط ليس خزانة ملفات، بل هو أقرب إلى بناء واحد له سقف وقاعدة وأعمدة وممرات، وربما كانت إحدى مشكلات التفكير السياسى فى المنطقة أننا اعتدنا تقسيمها إداريًا أكثر مما اعتدنا قراءتها جغرافيًا: ملف سورى، ملف لبنانى، ملف يمنى، ملف فلسطينى، وملف عراقى، كأن الحدود التى تفصل الأوراق فى مكاتب وزارات الخارجية تستطيع أن تفصل الجغرافيا أيضًا.
كان هالفورد ماكندر من أبرز من تعاملوا مع الجغرافيا بوصفها عنصرًا من عناصر فهم الجيوسياسة. فالموقع، ليس مجرد عنوان للدولة، وإنما عامل يحدد قدرتها على الحركة والتأثير وموقعها من حركة القوى الأخرى. الجغرافيا، بهذا المعنى، ليست المسرح الذى تجرى فوقه السياسة فحسب، بل تدخل فى تكوين السياسة نفسها.
لكن نيكولاس سبايكمان دفع هذا المنطق فى اتجاه أكثر اتصالًا بالشرق الأوسط، حين ركز على أهمية الحزام المحيط بالكتلة الأوراسية، أو ما عُرف بـ«الريملاند» (Rimland). ففى هذه الحافة الواسعة تتجاور اليابسة والبحار، وتتقاطع القوى البرية والبحرية، وتتركز السواحل والممرات والمضائق ومناطق التماس. وهنا لا تعود قيمة الموقع مرتبطة بمساحته أو بعدد سكانه أو حتى بقوة الدولة القائمة عليه وحدها، وإنما أيضًا بالوظيفة التى يؤديها داخل منظومة أوسع: قد يكون عقدة تتقاطع عندها الاتجاهات، أو بوابة تمر عبرها الحركة، أو ممرًا يصل بين مجالين.
ومن هذه الزاوية يكتسب الشرق الأوسط معنى يتجاوز حدود دوله. فهو يقع فى منطقة شديدة الحساسية من الحافة الأوراسية، حيث يلتقى المتوسط بالبحر الأحمر والمحيط الهندى والخليج، وتتقاطع الأناضول مع المشرق والجزيرة العربية ووادى النيل. لذلك قد يمنح الموقع دولة ضعيفة وظيفة استراتيجية كبيرة، مثلما قد تجعل عقدة جغرافية صغيرة ما يحدث فيها مؤثرًا فى فضاء يتجاوزها بمراحل.
أما المؤرخ المصرى جمال حمدان، فقد اقترب من المسألة من زاوية «شخصية المكان». فالدولة لا تعيش فوق الجغرافيا فقط، وإنما تتشكل علاقتها بمحيطها من خلالها. وإذا كان ماكندر قد أعاد الموقع إلى معادلة القوة، وسبايكمان قد أبرز أهمية الحواف والممرات، فإن حمدان يضيف بعدًا آخر: «للمكان شخصية ووظيفة، وليس مجرد إحداثيات على الخريطة».
• • •
ومن الجمع بين هذه النظرات الثلاث يمكن الوصول إلى سؤال مختلف عن الأسئلة المعتادة. فبدلًا من أن نسأل: ماذا يحدث فى سوريا واليمن والعراق ولبنان؟ يمكن أن نسأل: أين تقع هذه الدول داخل البناء الجيوسياسى للمنطقة.. وما الوظيفة التى يؤديها كل موقع فيه؟
الفرق بين السؤالين كبير. الأول يفتح ملفات منفصلة، أما الثانى فيرسم خريطة علاقات. الأول يبحث عن الأزمة داخل حدود الدولة، والثانى يسأل عن موقعها داخل توازن يتجاوز حدودها. ومن هنا يمكن طرح تصور مختلف للجغرافيا السياسية للمنطقة؛ تصورٌ يشبّهها ببناء إنشائى تكون فيه الشام سقفه السياسى، واليمن إحدى قواعد ارتكازه الجيوسياسية.
لنتخيل هذا البناء على الخريطة. بلاد الشام، بموقعها بين الأناضول والعراق والجزيرة العربية ومصر والبحر المتوسط، ليست مجرد مجموعة دول متجاورة، بل عقدة جغرافية تتقاطع عندها اتجاهات متعددة للقوة والحركة. فهى تطل على المتوسط، وتتصل بعمق العراق، وتقع بمحاذاة الأناضول والجزيرة العربية ومصر، كما تحتضن فلسطين، إحدى أكثر نقاط الصراع الإقليمى كثافة واستمرارًا.
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى الشام بوصفها إحدى عقد «الريملاند» العربية: مساحة تلتقى فيها اتجاهات آتية من البر والبحر، ومن الشمال والجنوب والشرق والغرب. ليست أهميتها ناتجة فقط من مواردها أو قدرات دولها، وإنما من كونها تقع فى مكان يصعب على القوى المحيطة تجاهله.
ولهذا يصعب وضع «الملف اللبنانى» فى درج منفصل. فموقع لبنان واتصاله بسوريا وفلسطين وشرق المتوسط يجعلان ما يحدث داخله قابلًا للتأثر بتوازنات أوسع منه والتأثير فيها. الأمر نفسه ينطبق على سوريا، الواقعة عند تقاطع حسابات عربية وتركية وإيرانية وإسرائيلية ودولية. أما فلسطين فهى المثال الأكثر وضوحًا على قصور منطق الملفات، لأن موقعها وتاريخ الصراع عليها جعلا ما يحدث فيها يتجاوز، منذ البداية، حدودها نفسها.
إذن، الشام ليست مجموعة ملفات متجاورة، بل عقدة تتجمع عندها خطوط كثيرة من البناء الإقليمى. وهذا هو المقصود بوصفها «السقف»: ليس تعبيرًا عن أسبقيتها على بقية المنطقة، ولا عن كونها أقوى منها، وإنما عن كونها مساحة تظهر عندها ضغوط متعددة آتية من أجزاء مختلفة من البناء.
وإذا انتقلنا جنوبًا، تتغير الوظيفة الجغرافية. ننتقل من عقدة برية - بحرية - سياسية فى المشرق إلى بوابة بحرية استراتيجية عند طرف الجزيرة العربية.
• • •
هنا يظهر اليمن. يقع اليمن بمحاذاة باب المندب، إحدى نقاط الاختناق التى تصل المحيط الهندى وبحر العرب بالبحر الأحمر، ومنه عبر قناة السويس إلى البحر المتوسط. ولذلك يستطيع ما يحدث على الأرض اليمنية، فى ظروف معينة، أن ينتقل أثره من نزاع محلى إلى مشكلة فى التجارة والطاقة والملاحة والأمن الإقليمى والدولى.
وإذا كانت الشام تمثل قوة العقدة، فإن اليمن يمثل قوة البوابة؛ وهنا تظهر إحدى أهم قواعد التفكير الجيوسياسي: قد تضعف الدولة، لكن الجغرافيا لا تضعف. وقد تتفكك السلطة السياسية، بينما تبقى قيمة الموقع أو الممر، بل قد تزداد أهميته بسبب الفراغ الذى يخلقه ضعف الدولة. تستطيع الدولة اليمنية أن تمر بمراحل قوة وضعف، وأن تتغير السلطة التى تديرها والتحالفات داخلها، لكن باب المندب يبقى فى مكانه، وتبقى السفن مضطرة إلى المرور عبره للانتقال بين البحر الأحمر والمحيط الهندى.
لذلك لا يمثل اليمن هامشًا جنوبيًا للعالم العربى، بل يقع عند إحدى بواباته الكبرى. فباب المندب جزء من منظومة بحرية تمتد من المحيط الهندى وخليج عدن إلى البحر الأحمر والسويس والبحر المتوسط. ومن هنا يمكن فهم وصف اليمن بأنه «قاعدة» فى البناء الجيوسياسى للمنطقة: ليس بمعنى أنه يحمل الشرق الأوسط كله، وإنما لأن موقعه يقع عند إحدى نقاط الارتكاز التى يتوقف عليها اتصال أجزاء من هذا البناء بالعالم الخارجى.
وهذا ما يجعل العلاقة بين الشام واليمن أكثر من مجرد مقارنة بين منطقتين متباعدتين. فهما يمثلان وظيفتين مختلفتين داخل المجال الجيوسياسى نفسه: عقدة وبوابة.
وهنا تصبح فكرة السقف والقاعدة أكثر وضوحًا. فالشام سقف سياسى تتجمع عنده تناقضات متعددة فى الإقليم، واليمن قاعدة جغرافية عند نقطة ارتكاز تصل البحر الأحمر بالمحيط الهندى، ومن خلال السويس بالبحر المتوسط. وبينهما العراق والجزيرة العربية ومصر والخليج، وبجوارهما الأناضول والقرن الإفريقى، لا بوصفها مجرد ممرات بين السقف والقاعدة، وإنما أجزاء قائمة بذاتها، لكل منها وظيفته ومصالحه ومصادر قوته.
• • •
فى الخلاصة، لا يمكن بناء توازن إقليمى مستقر بصيغة «الملفات»، كما لو كانت منفصلة عن وظائفها الجغرافية، فالجغرافيا لا تعرف الأدراج، والممرات لا تتوقف عند الحدود، والبحار لا تعترف بتقسيمات المكاتب. والأزمة التى تبدأ محلية قد تصبح إقليمية عندما تقع عند عقدة، وقد تصبح دولية عندما تقع عند بوابة أو ممر.
الشرق الأوسط ليس خزانة ملفات. إنه بناء تتجاور فيه مواقع مختلفة الوظائف، وتتصل داخله المصالح والممرات وموازين الأمن. جدرانه تفصل بين دوله فى الأعلى، لكن أساساته تتصل فى العمق.
كاتب سعودى