فى ذكرى رحيل جمال عبدالناصر والاستعداد لإحياء العيد الـ75 لثورة يوليو
وليد محمود عبد الناصر
آخر تحديث:
الأربعاء 30 سبتمبر 2026 - 6:59 م
بتوقيت القاهرة
مرت منذ أيام الذكرى الـ56 لغياب الزعيم المصرى والعربى الراحل جمال عبدالناصر عن عالمنا، فى وقت نقترب فيه من إحياء العيد الـ75 لثورة 23 يوليو فى مصر بعد أشهر قليلة، وهى مناسبة هامة تستحق التوقف والتأمل عندها واعتبارها فرصة تاريخية لإعادة تقييم الكثير من الأحداث التى جرت والتطورات التى تمت منذ ذلك التاريخ، ووقفة مع الذات تتناول النجاحات والإخفاقات، الإنجازات وأوجه الخلل والقصور، الإيجابيات والسلبيات، على حد سواء، لثورة يوليو فى مرحلتها الأساسية، وهى بلا جدال الحقبة الناصرية، والتى امتدت منذ نجاح الثورة كحركة عسكرية أيدتها قطاعات واسعة وعريضة من الشعب المصرى فجر 23 يوليو 1952، وسارعت بتحقيق تحولات بنيوية وهيكلية أعادت رسم الخريطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل مصر، كما أعادت رسم العديد من جوانب الخريطة العالمية، بدءًا بالوطن العربى ومرورًا بالقارة السمراء وبالعالم الإسلامى وبالإطار المتوسطى ودول العالم الثالث وبالسياق الإنسانى الأرحب، مما جعلها جديرة بأن تكتسب صفة «الثورة»، وحتى وفاة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر فى 28 سبتمبر من عام 1970، ومع الإقرار ودون أى إنكار لدور الرئيس المصرى الراحل محمد نجيب فى تحمل مسئولية قيادة الثورة سواء قبل انتصارها أو فى فترتها الحرجة الأولى وحتى غيابه عن المشهد السياسى المصرى فى عام 1954.
ومما لا شك فيه أن ثورة 23 يوليو 1952 وأن القيادة الناصرية كانا وما زالا وسوف يظلان لأزمنة طويلة مقبلة محل خلاف شديد وتباين جم فى التقييم، ما بين مؤيد ومعارض، وما بين ناقم ومنتقد ومتحفظ وداعم بلا حدود، سواء كان ذلك داخل حدود الوطن المصرى أو على امتداد الوطن العربى أو فى القارة الإفريقية أو العالم الإسلامى أو دول الجنوب أو دول العالم بأسرها، نظرًا لتأثيرهما الكبير على مسار الكثير من الأحداث على هذه الأصعدة جميعًا، سواء كان هذا التأثير يتم رؤيته وتقديره بالإيجاب أو بالسلب، وهذا هو بالمناسبة من قبيل الظواهر الصحية فى أى إطار عندما يكون التناول لظاهرة اجتماعية وإنسانية، ويمثل دليلًا عمليًا على حيوية هذا الإطار وكونه نابضًا بالنشاط والتفاعل.
وسوف نسعى هنا لعرض بعض الأمور والاعتبارات التى تفيد فى تحقيق شمول وعمق الرؤية والمعالجة لمختلف الجوانب والأبعاد عند التناول الموضوعى وعلى أساس المنهج العلمى لتحليل وتقييم ثورة 23 يوليو 1952 بشكل عام، وفى مرحلتها الأساسية الناصرية على وجه الخصوص.
وأول هذه الأمور والاعتبارات أنه توجد العديد من المعايير التى من الواجب الاستئناس بها عندما تأتى مناسبة الحديث عن العيد الـ75 لثورة 23 يوليو 1952 وحصاد التجربة الناصرية، ويأتى فى مقدمتها أنه من غير المنطقى الحكم على أحداث جرت منذ عشرات السنين على أساس مرجعيات اليوم، بل يجب أن يكون الحكم عليها مسترشدًا بالمرجعيات المختلفة الموجودة فى زمان حدوث هذه التطورات، على تنوعها واختلافها. أما ثانى هذه المعايير فهو أنه عند تحليل الظواهر والتفاعلات الاجتماعية وما يتصل بالبشر وسلوكياتهم، فلا يوجد شر مطلق أو خير مطلق، بل يتعين إدراك أن الأمور تتصف بالطابع النسبى دون المطلق، وبغلبة المناطق الرمادية على تلك السوداء أو البيضاء على حد سواء.
أما ثالث هذه المعايير، وأن العلوم الاجتماعية والإنسانية تختلف إلى حد كبير عن العلوم الطبيعية أو الجامدة فى هذا السياق، فهو أن التحليل والتقييم يجب أن يكون على أساس ما تحقق للإنسان من جراء تلك المرحلة وهذه التجربة، فالغاية النهائية هى: إسعاد الإنسان روحيًا ومعنويًا وماديًا، سواء فى حد ذاته كفرد أو كجزء من دوائر انتماء أوسع مثل الأسرة والمدينة أو القرية والمجتمع على الصعيد الوطنى والدوائر الإقليمية والعالمية المتعددة التى ينتمى إليها ويعمل ويتحرك من خلالها، وهى فى هذه الحالة التى نتناولها هنا وكما أسلفنا الذكر من قبل الدوائر العربية والإفريقية والإسلامية والمتوسطية والعالم ثالثية والإنسانية، وذلك بما يشمل المجالات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الخاصة بالحقوق والحريات والواجبات. أما رابع هذه المعايير فهو ضرورة الأخذ فى الاعتبار العناصر المعنوية وليس مجرد العناصر المادية عند إصدار أحكام عن فترة تاريخية سابقة، ويأتى من ضمنها كل من الشعور على مستوى الفرد بالكرامة الإنسانية والشعور الجمعى على مستوى المجتمع ككل بالكرامة والعزة الوطنية والشعور على مستوى الأمة ككل بالفخار القومى.
أما ثانى هذه الأمور والاعتبارات فهو أنه عند تقييم مرحلة تاريخية بعينها يتعين إدراك خلفيات تلك المرحلة، أى المراحل التاريخية السابقة عليها مباشرة، ومدى العلاقة أو قدر الترابط بين المرحلة محل الدراسة والتقييم وتلك المراحل السابقة عليها، من حيث الامتداد التاريخى أو القطيعة التاريخية، إن جاز التحدث فى هذا المقام عن هذا المفهوم، أو التحولات التى طرأت، وإن كانت لتلك التحولات إرهاصات فى المراحل التاريخية السابقة أم حدثت بشكل مفاجئ أم جاءت تعبيرًا عن تطورات أخذت طابعًا تدريجيًا عبر فترة زمنية ممتدة، أم شكلت اختراقًا وتحولًا نوعيًا لم يكن متوقعًا أو مخططًا له وجاءت فى اتجاه مختلف وجديد تمامًا عما سبق. ويندرج ضمن هذه الفئة من الاعتبارات فى الحالة موضع التناول هنا حالات عديدة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر إلغاء قناة السويس وقرار بناء السد العالى فى أسوان، والتحول من العلاقات الخاصة مع الدول الغربية إلى العلاقات الخاصة مع دول الكتلة السوفيتية، والتحولات الفكرية على صعيد النظام الاقتصادى من الرأسمالية بصيغتها التقليدية والمنفتحة على الخارج إلى السعى لتعزيز الرأسمالية المحلية وإفادتها من تمصير ممتلكات مملوكة للأجانب إلى تبنى نموذج رأسمالية الدولة فى ظل رفع شعارات تقدمية واشتراكية خاصة بإعادة رسم خريطة المجتمع، والتحولات الفكرية أيضًا على صعيد النظام السياسى من ديمقراطية ليبرالية دستورية، بكل ما كان يعتريها من أوجه عوار وخلل ونقص، إلى محاولة قصيرة العمر تحت شعار «تطهير الأحزاب» إلى فترة ممتدة زمنيًا لأكثر من عقدين من الزمان لتبنى صيغة ما كان يطلق عليه «التنظيم السياسى الشعبى الوحيد»، بما تضمنه ذلك من محاولة تنشيط هذه الصيغة عدة مرات من خلال تشكيل أطر تنظيمية «طليعية» داخل صفوفه، وصولًا إلى تعهد اتصف بقدر من العمومية بالعودة إلى صيغة ما من التعددية السياسية لم يكتب لها التحقق سوى فى عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات وبعد عدة سنوات من رحيل الرئيس جمال عبدالناصر.
وإذا انتقلنا إلى ثالث هذه الأمور والاعتبارات فهو أنه، وبنفس المنطق، يجب إدراك طبيعة العلاقات بين ما دار خلال المرحلة التاريخية محل الدراسة والتقييم ومعطياتها وما أفرزته من نتائج وبين ما جاء بعدها من مراحل تاريخية تالية وما دار فى تلك المراحل اللاحقة، وهى تمتد زمنيًا وصولًا إلى وقتنا الراهن، من حيث التأثير، سواء كان هذا التأثير إيجابيًا أو سلبيًا، وهنا لا يتوقف الحديث عن التأثير عند حدود الهياكل والمؤسسات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية، بل يمتد ليشمل التأثير فى كل من الثقافة السياسية والثقافة الاجتماعية للنخبة وللشعب وللأمة وبقية الدوائر الإقليمية والعالمية المحيطة، كما يشكل البحث فى أوجه التأثير بالضرورة تأثير النجاحات والإخفاقات، الإيجابيات والسلبيات، فيما تبعها من مراحل، وليس فقط فيما تركته تلك المرحلة التاريخية من منشآت مادية ملموسة، بل فيما تركته من قيم جديدة أو مستجدة أو مراجعات لقيم وجدت فيما سبق، وكذلك مدى قوة وصلابة أو، بالمقابل، ضعف وهشاشة، الأفكار والمؤسسات التى أفرزتها تلك المرحلة ودرجة استمرارها ومدى تمسك قطاعات عريضة، سواء من النخبة أو من الشعب، بها، خاصة بعد انتهاء حقبة القيادة السياسية التى أطلقت تلك الأفكار وأقامت تلك المؤسسات.
الأمر والاعتبار الرابع والأخير الذى نتناوله فى هذا المقال والذى يتعين الالتفات إليه عند تقييم المرحلة التاريخية لثورة 23 يوليو 1952 أثناء فترة وجود القيادة الناصرية، فهو النظر فيما كان مطروحًا على الأصعدة الإقليمية والعالمية من خيارات فى تلك المرحلة من أيديولوجيات وأفكار وتوجهات واستراتيجيات وسياسات فى ضوء وجود نظام دولى ثنائى القطبية وبيئات إقليمية محيطة كانت فى حالات من التوتر وعدم الاستقرار الدائم أو شبه الدائم والصراع المستمر بين «القديم» و«الجديد»، بل وفيما بين أشكال وأنواع مختلفة من صياغات هذا «الجديد»، وتحليل ما تم اتخاذه من قرارات وما تم تبنيه من جانب القيادة الناصرية من استراتيجيات وسياسات فى ضوء البدائل الأخرى المطروحة آنذاك، وفى حدود ما كان متاحًا أمامها القيام به، وما تم مواجهته من جانبها من تحديات، على الأقل البعض منها لم يكن من اختيار القيادة الناصرية أو من صنعها، بل يدخل فى إطار ما تم فرضه عليها، وأحيانًا فى توقيتات لم تكن ملائمة لها أو متماشية مع ما خططت له وسارت عليه من نهج، وبالطبع هذا لا يعفى تلك القيادة من أى أخطاء تم ارتكابها فى تلك المرحلة، ولكن ينبغى دائمًا فهم الظروف والبيئات المحيطة فى نفس توقيت الحدث وذات الارتباط به، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
وهكذا عرضنا لبعض من عوامل واعتبارات يمكن الاسترشاد بها إذا ما جرت أى محاولة وطنية مصرية أو قومية عربية أو أوسع من ذلك للقيام بعملية تحليل وتقييم تتصف بالموضوعية وتتبع المنهج العلمى فيما يخص المرحلة الناصرية، وهى بالتأكيد المرحلة الأساسية فى سيرة ومسيرة ثورة 23 يوليو 1952، خاصة ونحن على أعتاب أشهر قليلة من إحياء العيد الـ 75 لتلك الثورة، والتى لا تزال على مدى كل تلك العقود والسنين هى العيد الوطنى لجمهورية مصر العربية ومحل الاحتفاء والاحتفال من قبل قوى فكرية وسياسية عديدة داخل الوطن العربى وخارجه، سواء فى القارة السمراء أو فى العالم الإسلامى أو على امتداد الدول التى تنتمى إلى ما بات يطلق عليه بشكل متزايد «الجنوب العالمى» بما يمتد إلى دول فى آسيا وأمريكا اللاتينية.