هل تمارس واشنطن نفوذها الحقيقي.. أم تكتفي بأن تكون طرفاً حاضراً في المشهد؟
عبدالرحيم شلبي
آخر تحديث:
الأربعاء 30 سبتمبر 2026 - 6:45 م
بتوقيت القاهرة
طرح مسعد بولس، مستشار البيت الأبيض لشئون الشرق الأوسط وأفريقيا، مبادرة تبدو حاسمة في ظاهرها: حظر شامل لتوريد السلاح إلى طرفي الحرب في السودان. غير أنه حين عرض الفكرة أول مرة، أقرّ بأن اثنتي عشرة دولة على الأقل تمدّ الطرفين بالسلاح، من دون أن يسمّي واحدة منها، مكتفياً بالقول إن واشنطن "لم تصل بعد" إلى مرحلة الإفصاح عن هذا التفصيل.
وهذا وحده يكفي لإثارة سؤال جوهري: إذا كانت واشنطن تعرف مصادر السلاح الذي يُطيل عمر الحرب، فلماذا تتردد في الإفصاح عنها؟ فالحظر لا معنى له إذا تفاوتت معاملة الدول الموردة بحسب قربها من واشنطن أو بعدها عنها.
السودان: حضور بلا ضغط
تحرك الملف فعلياً في الأمم المتحدة، إذ مدّد مجلس الأمن الحظر القائم على دارفور وحدها شهراً واحداً، لإفساح المجال أمام التفاوض على توسيعه ليشمل السودان بأكمله، وسط اعتراض روسي. فالسؤال لم يعد إن كانت واشنطن تملك مبادرة، بل إن كانت مستعدة لتوظيف ثقلها السياسي كي تنجح هذه المبادرة فعلاً.
وهنا يبرز موقع "الرباعية" -الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات- وهو إطار لا تتطابق فيه المصالح بالضرورة. فالإمارات تواجه اتهامات متكررة بتقديم دعم يفيد قوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه أبوظبي. لكن حرج واشنطن هنا حرج بنيوي: فالإمارات ليست مجرد طرف خارجي عابر، بل شريك أمريكي، وعضو في الإطار الدبلوماسي نفسه الذي تعوّل عليه واشنطن لإنهاء الحرب.
وهذا الموقف يضع الدبلوماسية الأمريكية أمام اختبار مباشر: إن كانت واشنطن تعتقد فعلاً أن الدعم العسكري الخارجي يطيل أمد الحرب، فهل ستُخضع كل الأطراف الموردة لمعيار واحد، حتى لو كانت من شركائها داخل الرباعية؟
ويزيد الموقفان المصري والسعودي الصورة تعقيداً. فالقاهرة تشدد على سيادة السودان ووحدة أراضيه وبقاء مؤسسات دولته، وهو ما يختلف بعض الشيء عن التوجه الأمريكي الذي يميل إلى وضع الطرفين المتحاربين على قدم مساواة سياسية. أما الرياض فمصلحتها المباشرة في أمن البحر الأحمر، وحرصها على ألا تمتد الأزمة السودانية إقليمياً. وواشنطن بحاجة إلى الأطراف الثلاثة معاً داخل إطار واحد، لكن كلما ازدادت أهمية هذا التحالف بالنسبة لها، ازدادت صعوبة الضغط على أي طرف فيه.
وهذا لا يعني أن الإمارات وحدها مسئولة عن استمرار الحرب، ولا أن الأطراف السودانية بريئة من المسئولية. لكن إذا كانت واشنطن نفسها تقول إن السلاح القادم من الخارج يُبقي جذوة الحرب مشتعلة، فلا يمكن التعامل مع مصادر هذا السلاح باعتبارها ملفاً هامشياً.
وقد أثبتت واشنطن أنها قادرة على الضغط حين تشاء، فحجبت التأشيرة عن عبدالفتاح البرهان قبيل اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في خطوة رُبطت برفضه هدنة مقترحة مدتها تسعون يوماً. فهي إذن قادرة على الضغط على الأطراف السودانية نفسها. والسؤال الأصعب هو إن كانت مستعدة للضغط على شركاء قد يسهم سلوكهم -بحسب اعتراف واشنطن ذاتها- في إطالة أمد هذه الحرب.
وجاء اجتماع 23 سبتمبر، الذي شارك في رئاسته الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة وضم الرباعية إلى مجموعة أوسع، محاولة لتحسين التنسيق وآليات التحقق. لكن التنسيق شيء، والنفوذ الفعلي شيء آخر. والسودان يتحول تدريجياً إلى اختبار حقيقي: هل تستطيع واشنطن أن تحوّل حضورها إلى ضغط فعلي حين يكون لهذا الضغط ثمن سياسي؟
غزة: نفوذ حقيقي، وحدوده
تُظهر واشنطن ما يمكن أن تفعله حين تنخرط بنفسها في التفاصيل. فمن خلال ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر و"مجلس السلام"، تفاوضت واشنطن مباشرة على نزع سلاح حماس، وانسحاب إسرائيل، وشكل الحكم الفلسطيني، وإعادة الإعمار، ولم تكتف بدور الوسيط البعيد. وخريطة الطريق التي أُقرّت في يوليو ربطت نزع سلاح حماس التدريجي بانسحاب إسرائيلي تدريجي مماثل، مع آلية تحقيق دولية وقوة استقرار دولية، وأدرجت إعادة الإعمار ضمن الإطار نفسه. وخطة إعادة الإعمار المعلنة هذا الشهر، بقيمة 2.45 مليار دولار، ما زالت رهناً بتعاون إسرائيلي وتعاون من حماس لتتقدم فعلاً.
وهكذا تكشف غزة وجهي النفوذ الأمريكي معاً: نفوذ حقيقي لا شك فيه، لكنه ليس سيطرة كاملة. فواشنطن قادرة على التوصل إلى اتفاق وصياغة تفاصيله، لكنها لا تستطيع أن تفرض على كل طرف الالتزام بكل بند فيه، حين يحمل هذا الالتزام كلفة سياسية داخلية.
أوكرانيا: انخراط شامل
تقدّم أوكرانيا نموذجاً مختلفاً تماماً، لأن واشنطن تنظر إلى هذه الحرب باعتبارها مرتبطة مباشرة بالأمن الأوروبي وبعلاقتها هي نفسها مع روسيا. ففي الخامس من سبتمبر، التقى المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر فلاديمير بوتين في موسكو قرابة ثلاث ساعات، ثم توجّها إلى كييف للقاء زيلينسكي. ووصفت واشنطن المحادثات بأنها جوهرية، لكن لم يعقبها اتفاق واستمر القتال. وفي الوقت نفسه، جمعت واشنطن بين الدبلوماسية والضغط معاً: فقد أقرّ ترامب مساعدات عسكرية إضافية لأوكرانيا، ووقّع عقوبات جديدة على روسيا، مع استمراره في السعي إلى مفاوضات مباشرة. وما يهم في الحالة الأوكرانية ليس أن الدبلوماسية الأمريكية نجحت حيث فشلت في السودان وغزة، فهي أيضاً لم تُثمر تسوية بعد، بل أن واشنطن أظهرت استعدادها لتحريك عدة أدوات في آن واحد حين ترى أن المصلحة الاستراتيجية تستحق ذلك.
ما تكشفه الحالات الثلاث
تكشف الحالات الثلاث أنماطاً متباينة بوضوح. ففي السودان، تتحرك واشنطن بنشاط متزايد، لكن استعدادها للضغط على شركاء حساسين يظل أمراً لم يُختبر بعد. وفي غزة، تمارس نفوذاً حقيقياً، غير أن التنفيذ يبقى رهناً بحسابات الأطراف نفسها. وفي أوكرانيا، تجمع بين الدبلوماسية والعقوبات والدعم الأمني حول أولوية استراتيجية واضحة، وإن لم تُفضِ بعد إلى تسوية نهائية.
ولا توجد قوة عظمى تنجح في كل مكان وزمان. فما يهم حقاً هو أين تختار واشنطن أن تنفق نفوذها، وضد من، وبأي ثمن سياسي. وهذا بالتحديد ما يجعل السودان اختباراً كاشفاً: فواشنطن تملك المعلومات، وقنوات الوصول، والأدوات اللازمة. والسؤال المفتوح هو إن كانت ستستخدمها فعلاً ضد شريك إقليمي.
وبالنسبة لواشنطن، فالسودان أكثر من مجرد نزاع صعب آخر يُضاف إلى قائمة الأزمات؛ إنه اختبار لقدرتها على تحويل نفوذها إلى ضغط فعلي من دون أن تخسر الشراكات التي تحتاجها. فمصداقية القوة الأمريكية، في نهاية المطاف، لا تقوم فقط على ما تستطيع واشنطن أن تفعله، بل على ما يعتقد الآخرون أنها مستعدة فعلاً لفعله.
مساعد وزير الخارجية الأسبق