دروس وعبر الحقبة الناصرية لتغيير الواقع

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الأربعاء 30 سبتمبر 2026 - 6:35 م بتوقيت القاهرة

يصادف يوم الثامن والعشرين من سبتمبر من كل عام ذكرى الرحيل المأساوى المبكّر للرئيس عبدالناصر، ذلك القائد العربى الفذ ليس لشعب مصر فقط وإنما لكل شعوب أمته العربية، بل ولكثير من شعوب العالم الثالث آنذاك فى إفريقيا وجنوب أمريكا وآسيا. ومن هنا قال عنه نيكولاس مادورو بأنه كان القائد المتميز لحركة التحرر من الاستعمار فى العالم كله، بينما قال عنه بخوف ورعب الصهيونى بن جوريون بأنه كان لليهود عدوان وجوديان هما فرعون مصر وهتلر ألمانيا لكن عبدالناصر بزّ الاثنين فى عدائه لوجودنا فى فلسطين المحتلة، ومن هنا لم نبقَ على أية وسيلة لإزاحته والتخلص منه إلا استعملناها.

ولم تقل كراهية ومؤامرات الإمبريالية الخارجية، وعلى الأخص الأمريكية والأوروبية، ولا مع الأسف مؤامرات بعض المراجع الرجعية فى بعض بلاد العرب عما أعلنته الصهيونية، قولًا وفعلًا.
ومنذ لحظة وفاته عملت كل تلك الجهات على تشويه كل ما قام به أو قاله أو وقف بجانبه وذلك من أجل محو كل ما بقى فى الذاكرة الجمعية الشعبية والإسلامية من المبادئ القومية العروبية التى نادى بها ومئات الخطابات النارية الثورية التى ألهب بها حماس الملايين من جماهير شعبه العربى.

ومع ذلك فما زالت التجربة الناصرية، فى داخل وخارج مصر، وبشأن مواقف ومناسبات وتجارب فى الاقتصاد والتنمية على الأخص، لم تدرس بشكل علمى موضوعى شمولى، خصوصًا ما جاء فى المئات من خطاباته المليئة بالدروس، لتعرف الأجيال الجديدة والقادمة ما لتلك التجربة الفذّة وما عليها، فتعود لتتبنّى ما كان متميزًا منها، ولتتجنّب ارتكاب أى أخطاء وقعت فيها. وحتى الكتيّب الصغير لعنوان «فلسفة الثورة»، الذى ألفه ناصر عام 1953، والذى يلخص فيه رؤيته الاستراتيجية لدور مصر العربى والإسلامى والعالمى لم يحصل على مراجعات كافية، مع أن فيه الكثير مما ينطبق على ويصلح لحاضرنا ومستقبلنا فى الدوائر الثلاث التى شدد عبدالناصر على أهميتها لدراسة الدور المركزى لمصر فى تلك الدوائر الثلاث.

وهنا يجب ألا ننسى الدرس الكبير الذى سنتعلمه عندما ندرس التجربة الوحدوية المصرية السورية المليئة بالدروس والعبر البالغة الأهمية لأية محاولات وحدوية عربية الآن أو مستقبلًا، سواء أكانت جزئية أم جهوية أم كانت شاملة كما يريدها الكثيرون العاملون فى ساحة العمل السياسى القومى العروبى، أم سواء أكانت فى حقل من حقول الحياة المعيشية من مثل الاقتصاد أو الأمن أو التجارة أو الأمن المائى والغذائى أو البحوث العلمية والتكنولوجية أو غيرها كثير.

فى كل ما سبق ستنجلى لنا القضايا التى أقضّت مضجع الزعيم الراحل إلى أبعد الحدود، من مثل التخلف الصناعى والاقتصادى والأهمية القصوى للعدالة الاجتماعية ومثل الأمن العربى الواحد وكل أنواع الوحدات العربية، وعدم الرضوخ لأية تبعية للقوى الخارجية العظمى وعلى الأخص الإمبريالية والرفض التام للاحتلال الصهيونى فى فلسطين العربية، والوقوف مع أى شعب عربى شقيق فى مقاومة الاستعمار أو نضاله من أجل مقاومة الظلم الداخلى.

ومثلما أراد عبدالناصر توحيد النضال العربى القومى فى جبهة واحدة، لكنه لم يوفق بسبب العديد من الأخطاء، فإن دراسة فشل قيام حركة شعبية عروبية واحدة أنذاك تحتاج أن تدرس ويُعاد طرحها بأسس جديدة وبوسائل واقعية عملية جديدة، خصوصًا مع وجود تباعدات مؤلمة ومضرة فيما بين الأحزاب والحركات القومية العروبية من جهة وفيما بينها وبين الأحزاب والحركات الإسلامية السياسية التقدمية المعقولة من جهة أخرى.

فى بلاد العرب والمسلمين دأب الكثيرون على تفضيل البكائيات وترديد الذكريات المؤلمة فى مناسبات الاحتفال بذكرى أبطالهم بدلًا من قراءة تاريخ بطولاتهم وأساليب عملهم ووقوع أخطائهم، لا من أجل تكرار عبر التاريخ فى الأساس ولكن من أجل أن يكون التاريخ أحد أهم وأقوى مصادر تحريك ودفع وتحسين الحاضر والمستقبل. تاريخ حقبة عبدالناصر لا تستدر العطف والتفهّم والبكاء وإنما تستدرّ من أجيال الحاضر والمستقبل الإرادة والعزيمة والأفعال المغيرة للواقع المأزوم والمتخلف والتائه.

مفكر عربى من البحرين

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved