عن ماذا نبحث حين نسافر؟
صحافة عربية
آخر تحديث:
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 6:00 م
بتوقيت القاهرة
نشرت جريدة البيان الإماراتية مقالا للكاتبة عائشة سلطان، توضح فيه سعى السياح والزائرين إلى البحث عن معنى وهوية المكان بين حقيقة التجربة الإنسانية والاندفاع نحو التوثيق الشكلى.. نعرض من المقال ما يلى:
مثل كل الأحياء التى تمازج بين المزاج الشعبى المحلى لأهل المكان والمزاج السياحى الذى يستجيب لأذواق الوافدين من ثقافات العالم، يطل حى «بلاط» على مياه القرن الذهبى، فى الجهة الغربية من مركز إسطنبول التاريخى من جانبها الأوروبى، مستقبِلا زواره القادمين من أماكن بعيدة.
فما إن تصعد مدخل الحى حتى تمتلئ أذناك بضجيج محبب للغات ولهجات تنتمى لكل المدن التى تعرف والتى لا تعرف!
كل هذه الجموع التى تراها جاءت بحثا عن حكاية المكان، متوقعة أن ترى وتسمع تفاصيل لم تقلها صفحات التواصل الاجتماعى، تتأرجح بين الغريب والمختلف والأسطورى والحسى فيما يقال، إنهم كمصورى الباباراتزى يبحثون عن لقطة لم يلتقطها أحد قبلهم، بينما يرتكب آخرون حماقات تافهة لا مبرر لها من أجل التقاط صورة! (إحدى البلوجرات طلبت كوب شاى وقامت بتصويره، ثم غادرت المقهى دون أن تدفع ثمنه مدعية أن النادل قد أخطأ فى طلبها!).
لا تبحث كل هذه الجموع التى ترتطم بك دون انتباه عن حكاية بعينها، فإذا سمعت الحياة، فقد لا تمنحهم الحكاية شيئا مما جاءوا يبحثون عنه. عندها يكتفون بفنجان قهوة أو شاى يدفئ أجسادهم التى ترتعش تحت برد إسطنبول، أو يجلسون إلى طاولة فى أحد مطاعم الأرصفة ليختاروا ما يرغبون من الأطباق التركية الشهيرة. إن تلك الجلسات تكفى لتمنح هؤلاء متعة مراقبة الغرباء والعابرين!
عمّ يبحث كل هؤلاء؟ هل يبحثون عن حكايات يعودون بها إلى مدنهم ليروُوها لأهلهم وأصدقائهم؟ أم عن المعنى الكامن خلف الرحلة والترحال؟ هل يبحثون فى تفاصيل تلك الأحياء عن أشخاص يشبهونهم، وعن أبطال عاديين فى القصص التى يسمعونها؟ أم أنهم يقصدونها ليروا حياة تختلف عن حياتهم، ويجرّبوا، ولو لساعات، أن يكونوا غرباء؟
والذين يلتقطون الصور، هل يريدون إثبات أنهم كانوا أو مروا من هنا؟ أم يحاولون الاحتفاظ بشىء يعرفون أنه سيتفلت من الذاكرة؟ هل نحمل من أسفارنا ما يبررها أمام من يسألنا: لماذا سافرتم؟ أم أننا نحن من يحتاج إلى الإجابة؟
ربما نحمّل السفر أحيانا أكثر مما يحتمل. نطالبه بأن يغيرنا، وأن يكشف لنا ما خفى من العالم ومن أنفسنا، وأن نعود منه بحكاية تستحق أن تُروى. لكن ماذا لو عدنا بذكرى عطر وطعم خبز ساخن، وسحر مطعم شعبى دافئ، ووجه عابر.