من الوساطة إلى الردع.. الأمن العربى فى مواجهة إيران وإسرائيل
عمرو حمزاوي
آخر تحديث:
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 6:05 م
بتوقيت القاهرة
لم يعد ممكنا التعامل مع أزمات الشرق الأوسط الراهنة باعتبارها سلسلة من المواجهات المنفصلة التى يمكن احتواء كل منها على حدة، أو افتراض أن التهدئة بين بعض الأطراف كافية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة. فالحروب المتعاقبة، والاعتداءات على الدول العربية، ومحاولات فرض الوقائع بالقوة، وتوظيف الميليشيات المسلحة فى الصراعات الإقليمية، فضلًا عن تهديد حرية الملاحة فى الممرات الدولية، تكشف جميعها عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام الأمنى فى الشرق الأوسط وبغياب قواعد ملزمة تحكم سلوك دوله. ومن ثم، فإن التحدى المطروح أمام العرب اليوم لا يقتصر على كيفية التعامل مع السلوك الإيرانى المزعزع للاستقرار، بل يمتد أيضًا إلى السياسات الإسرائيلية القائمة على استخدام القوة العسكرية وتوسيع نطاق العمليات الحربية وفرض معادلات أمنية وسياسية أحادية على الجوار العربى.
إن إدراك هذه الحقيقة يقتضى تجاوز التصورات التى تختزل أمن الشرق الأوسط فى مواجهة عربية إيرانية، أو تفترض أن التقارب مع إسرائيل يمكن أن يوفر بديلًا عن معالجة مصادر التهديد الأخرى. فالأمن العربى لا يمكن أن يقوم على تجاهل المخاطر التى تمثلها إيران، كما لا يمكن أن يستقر من خلال التسليم بحرية إسرائيل فى استخدام القوة ضد الدول والمجتمعات العربية أو فرض رؤيتها للأمن الإقليمى. وما تحتاج إليه الدول العربية هو بلورة مفهوم مستقل لأمنها القومى، يستند إلى حماية السيادة ووحدة الدول وحرمة أراضيها، ويواجه الاعتداءات بصرف النظر عن هوية مرتكبيها، ويجمع بين بناء القدرة على الردع والعمل على إنشاء ترتيبات للأمن الجماعى تحول دون تكرار الحروب.
لقد أسهم السلوك الإيرانى خلال السنوات الأخيرة فى تقويض الثقة بين طهران وجوارها العربى المباشر. فالاعتداءات التى طالت دول الخليج، والتعامل مع مضيق هرمز باعتباره أداة ضغط يمكن استخدامها لفرض الإرادة الإيرانية، واستمرار دعم جماعات مسلحة تتدخل فى شئون الدول العربية أو تهدد أمنها، كلها عوامل تجعل من الصعب استعادة علاقات طبيعية بين إيران وجيرانها من دون تغيير ملموس فى السياسات الإيرانية. فمضيق هرمز ممر دولى لا يجوز إخضاع حرية الملاحة فيه للحسابات السياسية لدولة واحدة، كما أن أمن السعودية ودول الخليج لا يمكن أن يظل رهينة للتهديدات التى تمارسها جماعات مسلحة مرتبطة بإيران أو تتحرك فى إطار حساباتها الإقليمية.
• • •
لكن الاعتراف بهذه المخاطر لا ينبغى أن يقود إلى إغفال الوجه الآخر للأزمة. فإسرائيل بدورها تتعامل مع التفوق العسكرى واستخدام القوة باعتبارهما وسيلتين أساسيتين لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. وقد أظهرت الحروب فى غزة ولبنان، والعمليات العسكرية التى امتدت إلى ساحات إقليمية أخرى، أن إسرائيل لا تكتفى بالدفاع عن أراضيها فى مواجهة التهديدات، بل تسعى أيضا إلى فرض وقائع ميدانية وسياسية تتجاوز حدود المواجهة المباشرة. ويضاف إلى ذلك استمرار الاحتلال وغياب تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، بما يبقى أحد أهم مصادر الصراع مفتوحا ويحول دون بناء علاقات إقليمية مستقرة على أساس الاعتراف المتبادل بالحقوق والمصالح.
ولا يعنى وضع إيران وإسرائيل فى معادلة واحدة تجاهل الفروق بين سياساتهما أو مساواة كل أفعالهما من الناحية القانونية والسياسية. فلكل دولة أدواتها وحساباتها ومسئولياتها، ويتعين تقييم كل اعتداء وفق وقائعه والقواعد الدولية المنطبقة عليه. غير أن المنظور العربى للأمن لا يمكن أن يسمح لأى طرف، إيرانيًا كان أو إسرائيليًا، باحتكار تعريف التهديدات وتحديد الوسائل المقبولة لمواجهتها. فالمشكلة الجوهرية هى غياب قواعد إقليمية ملزمة تمنع استخدام القوة لفرض الإرادة، وتحول دون التدخل فى الشئون الداخلية للدول، وتضمن احترام السيادة وحرية الملاحة وحقوق الشعوب.
• • •
ومن هنا تبرز ضرورة انتقال العرب من الاعتماد على الوساطة وحدها إلى الجمع بينها وبين الردع. لقد أظهرت تجارب التهدئة أن الحوار يمكن أن يفتح مساحات لتخفيف التوتر، كما حدث مع استئناف العلاقات السعودية الإيرانية عام 2023، لكنه لا يستطيع وحده تغيير حسابات الأطراف التى تعتقد أن استخدام القوة أو التهديد بها سيحقق لها مكاسب أكبر من التفاوض. وبالمثل، فإن مسارات التطبيع أو التفاهمات الأمنية مع إسرائيل لا تضمن بذاتها احترام المصالح العربية، إذا لم تقترن بالتزامات واضحة بشأن عدم الاعتداء، واحترام سيادة الدول، وإنهاء الاحتلال، وتسوية القضية الفلسطينية.
فالردع المطلوب عربيًا ليس دعوة إلى حرب مفتوحة مع إيران أو إسرائيل، ولا مشروعًا لبناء محور عسكرى مغلق يستهدف دولة بعينها. إنه قدرة جماعية على منع الاعتداءات، وحماية الأراضى والمنشآت الحيوية والممرات البحرية، ورفع كلفة اللجوء إلى القوة، وتأكيد أن الدول العربية ليست ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وكلما امتلك العرب أدوات أكثر فاعلية للتنسيق الدفاعى، أصبحوا أقدر على التفاوض من موقع أكثر توازنًا، وأقل تعرضًا لضغوط القوى الإقليمية والدولية.
• • •
وتكتسب فى هذا السياق التفاهمات الدفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان أهمية تتجاوز أطرافها المباشرة. فالتعاون بين هذه الدول يفتح المجال أمام توزيع أوسع لمسئولية حماية الأمن الإقليمى، ويحد من الاعتماد الحصرى على الضمانات الأمريكية. غير أن قيمة هذه التفاهمات لن تتحدد بمجرد الإعلان عن الالتزامات الدفاعية، وإنما بقدرتها على تطوير آليات للتشاور وتبادل المعلومات والتنسيق العسكرى وحماية المجالين الجوى والبحرى، وبمدى التزامها بأهداف دفاعية واضحة لا تقود إلى توسيع الصراع. والأهم أن تكون هذه الترتيبات جزءا من رؤية عربية وإقليمية أوسع، لا بديلا عن العمل العربى المشترك ولا أساسا لاصطفاف دائم ضد طرف واحد.
وتتحمل مصر والسعودية مسئولية خاصة فى بلورة هذه الرؤية. فالسعودية، بحكم موقعها وثقلها فى الخليج والعالم العربى والإسلامى، معنية مباشرة ببناء قدرة إقليمية تمنع تكرار الاعتداءات على أراضيها وتحمى أمن الممرات البحرية المحيطة بها. أما مصر، فإن أمن الخليج والبحر الأحمر وحرية الملاحة فى قناة السويس ترتبط جميعها ارتباطا مباشرا بأمنها القومى ومصالحها الاقتصادية والاستراتيجية. ولذلك فإن دعم القاهرة لأمن السعودية فى مواجهة الاعتداءات الحوثية لا ينبغى النظر إليه باعتباره استجابة ظرفية، بل تعبيرا عن ضرورة بناء مسئولية عربية مشتركة عن حماية الدول والممرات الحيوية.
ويمكن لهذا التعاون المصرى السعودى أن يشكل نواة لتحرك عربى أوسع، يتضمن تنسيق القدرات الدفاعية، وتطوير وسائل الإنذار المبكر، وحماية المنشآت الاستراتيجية، وتعزيز أمن البحر الأحمر من باب المندب إلى قناة السويس. كما ينبغى أن يمتد إلى بلورة قواعد سياسية مشتركة للتعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية والإيرانية، بما يمنع ازدواجية المعايير فى تعريف الأمن العربى، ويحفظ للدول العربية حقها فى اتخاذ المواقف المناسبة وفق القانون الدولى ومصالحها الوطنية، ولا يتعارض ذلك مع استمرار الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، بل يهدف إلى جعلها جزءًا من شبكة أوسع من العلاقات، بدلًا من أن تكون الضمان الوحيد الذى يتوقف عليه أمن المنطقة.
لكن الردع الجماعى، مهما بلغت أهميته، لن يكون كافيًا إذا لم يقترن بمشروع للأمن الجماعى. فالمنطقة تحتاج إلى عملية سياسية إقليمية تتوافق فيها الدول على مبادئ واضحة: عدم الاعتداء، واحترام السيادة ووحدة الأراضى، ومنع استخدام الميليشيات لتهديد الدول الأخرى، وضمان حرية الملاحة، والامتناع عن فرض الوقائع بالقوة. ويقتضى ذلك ألا تُستثنى إيران أو إسرائيل من أى تصور طويل الأمد للأمن الإقليمى، لا لأن سياساتهما مقبولة، بل لأن استقرار الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق فى ظل استمرار المواجهة بين أطرافه الرئيسية. غير أن المشاركة فى مثل هذه العملية يجب أن ترتبط بالتزامات متبادلة وقابلة للتحقق، لا بمجرد إعلان النوايا أو استثمار الحوار لكسب الوقت.
وفى الحالة الإسرائيلية، لا يمكن فصل أى ترتيب أمنى مستدام عن القضية الفلسطينية. فالأمن الذى يُبنى على استمرار الاحتلال، وإنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية، والاعتماد المتكرر على القوة العسكرية، سيظل أمنا هشا، حتى لو أبرمت إسرائيل تفاهمات ثنائية مع بعض الدول العربية. وفى الحالة الإيرانية، لا يمكن الحديث عن استعادة الثقة من دون وقف الاعتداءات واحترام حرية الملاحة والتوقف عن استخدام الجماعات المسلحة لتهديد أمن الجوار العربى. وبذلك تصبح قواعد الأمن الجماعى إطارًا لمساءلة جميع الأطراف عن سلوكها، لا وسيلة لمنح أى منها شرعية مجانية أو إعفاءها من التزاماته.
• • •
إن مسئولية العرب اليوم هى الانتقال من إدارة الأزمات إلى المشاركة الفاعلة فى صياغة قواعد النظام الإقليمى. فلا الوساطة وحدها تحمى الدول من الاعتداءات المتكررة، ولا الردع العسكرى وحده يضمن سلامًا مستدامًا. المطلوب هو الجمع بين قدرة دفاعية جماعية تحمى المصالح العربية، ودبلوماسية نشطة تفتح أبواب التفاوض، ومشروع سياسى يضع قيودًا على استخدام القوة ويضمن احترام الحقوق والسيادة.
وعلى مصر والسعودية أن تقودا هذا التحرك انطلاقًا من إدراك أن الأمن العربى لا يتحقق بمواجهة إيران وحدها، ولا بالتكيف مع السياسات الإسرائيلية، ولا بالاعتماد على المظلة الأمريكية بمفردها، إنه يتطلب بناء قدرة عربية مستقلة على الردع، وشبكة من الشراكات الإقليمية والدولية، ومسارا للأمن الجماعى يضع إيران وإسرائيل وسائر دول المنطقة أمام القواعد نفسها. فالمعيار الذى ينبغى أن يحكم العلاقات الإقليمية ليس هوية الدولة أو تحالفاتها، وإنما احترامها سيادة الآخرين وامتناعها عن الاعتداء والتزامها بالقانون الدولى.
وعندئذ فقط يمكن الانتقال من توازنات القوة المتقلبة إلى نظام إقليمى أكثر استقرارا، لا يُترك فيه الأمن العربى رهينة لقرارات طهران أو تل أبيب أو واشنطن، بل يصبح ثمرة قدرة عربية على حماية المصالح، وفرض احترام السيادة، والتفاوض من موقع القوة، والمشاركة فى بناء أمن جماعى لا يستثنى أحدًا ولا يمنح أحدًا حق فرض إرادته على الآخرين.
أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى