الخليج قبل العاصفة

معتمر أمين
معتمر أمين

آخر تحديث: الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 6:10 م بتوقيت القاهرة

فى طهران، انعقد اجتماع لافت جمع الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودى، بالقيادة الإيرانية، بحضور قائد الجيش الباكستانى عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية. وفد إقليمى رفيع المستوى، حضر أعضاؤه بملابس مدنية، فى رسالة واضحة بأن الغاية هى احتواء التصعيد وفتح باب الحوار قبل أن تتسع الحرب. وعلى الجانب الإيرانى، كان فى الاستقبال وزير الخارجية عباس عراقجى، ورجل فى الـ70 من عمره، يرتدى زيا عسكريا خلعه قبل سنوات.


فمن هو صاحب الزى العسكرى؟ ولماذا اكتسب هذا الاجتماع كل هذه الأهمية؟ صاحب الزى العسكرى هو محسن رضائى. أسس تنظيمًا مسلحًا ضد الشاه فى مطلع شبابه، ومن رحم ذلك التنظيم خرجت نواة الحرس الثورى الإيرانى. ثم قاد الحرس الثورى وهو فى الـ27 من عمره، وبقى على رأسه 16 عامًا، وتتهمه الأرجنتين بالمسئولية عن تفجير مركز للجالية اليهودية فى بوينس آيرس عام 1994. كان قد ابتعد عن العسكرية وشغل منصبًا اقتصاديًا، إلى أن اغتالت إسرائيل على لاريجانى، الرجل المرن الذى كانت واشنطن نفسها ترى فيه المفاوض الممكن. عندها لم يختر مجتبى خامنئى رجلًا يشبه لاريجانى، بل استدعى رضائى، وجعله أمينًا لمجلس الأمن القومى وممثلًا شخصيًا له فيه. إنه اختيار يقول للخليج: هذا من ستتفاوضون معه.


• • •
أما لماذا انعقد الاجتماع، فالقصة بدأت قبل أسابيع. فقد سقطت الصواريخ على مقر وزارة الدفاع فى الرياض، وضرب الحوثيون معسكرًا للقوات الموالية للمملكة فى شبوة فسقط نحو 260 بين قتيل وجريح، فضلًا عن استهداف المطارات وخطوط النفط. وأمام تصعيد يهدد أمن المنطقة كلها، تحركت وساطة إقليمية قادتها باكستان، فحمل عاصم منير الرسائل بين الرياض وطهران، حتى تقرر عقد اللقاء فى العاصمة الإيرانية. وهى خطوة تعكس حرص المملكة على حماية أمنها واستقرار المنطقة، وإدراكها أن كلفة الحرب، إن اتسعت، لن يتحملها طرف واحد.


جلس الطرفان، فطلبت إيران كل شىء؛ إنهاء الحرب على جميع الجبهات، وضغطًا سعوديًا على واشنطن لوقف الضربات عليها وعلى حزب الله، وتعويضات، ورفع الحصار البحرى، والإفراج عن أموالها المجمدة، وأن ترفع المملكة يدها عن اليمن. أما الرياض فطلبت شيئًا واحدًا: أن تتوقف الصواريخ، وأن تعود مطاراتها للعمل ونفطها للتصدير. اختفى تمامًا الحديث القديم عن تغيير النظام فى إيران وتفكيك برنامجها الصاروخى. وانتهى اللقاء دون اتفاق، سوى مواصلة الحديث. وفى الخلفية، طريق مسدود بين واشنطن وطهران؛ فأمريكا تطلب إخراج اليورانيوم المخصب إلى باكستان وفتح مضيق هرمز، وإيران ترى فى ذلك هزيمة، فتطالب برفع الحصار، وبالتعويضات، وببقاء المضيق فى يدها.


لماذا تتشدد إيران؟ لأن بقاء السعودية طرفًا فى الحرب يجعلها ورقة ضغط بيد إيران. فإذا ضربت أمريكا إيران، ضربت إيران الخليج، فيضغط الخليج على أمريكا. هذا، وتأثير المملكة على العالم هائل؛ سعر برميل النفط تجاوز 115 دولارًا، بعد أن كان 84 دولارًا قبل 7 أكتوبر، والمملكة ما تزال تنتج. فماذا لو توقفت؟ وماذا لو توقف الخليج كله وإيران معًا؟


• • •
بينما كان الوفد فى طهران، كانت واشنطن ترسم مشهدًا آخر. فبحسب «وول ستريت جورنال»، أبلغت دول الخليج أن عملية واسعة ضد إيران قادمة، سريعة ومكثفة. والخطة باختصار: اضرب واهرب. وفى هذا السياق، تريد الولايات المتحدة حماية سماء إسرائيل لا سماء الخليج، فلقد سحبت بطارية «باتريوت» من تكساس، من قلب أراضيها، وأرسلتها إلى إسرائيل. ومع هذا، يرى كثيرٌ من المحللين الأمريكيين من رواد الواقعية السياسية أن الضربة بلا منطق، ولكن لواشنطن حسابات أخرى. فحين يتعطل نفط الخليج وترتفع الأسعار، يصبح الاستثمار الأمريكى فى نفط فنزويلا مربحًا. وتربح روسيا هى الأخرى من بيع نفطها بأسعار أعلى، وهو مكسب يقايضه ترامب مع بوتين بصفقات لصالح الشركات الأمريكية، كشراء أصول شركة «لوك أويل» الروسية، والدخول فى ملف خط «نورد ستريم» لنقل الغاز الروسى إلى أوروبا. أما نتنياهو، العالق فى مفاوضات تشكيل حكومته بعد الانتخابات، فقد يجد فى الحرب طريقًا إلى حكومة وحدة وطنية، كما فعل بعد 7 أكتوبر.


فكيف ستبدو العاصفة؟ سيلقى ترامب أثقل قنابله على «جبل الفأس»، وهى منشأة نووية محصنة تحت الأرض لم تعمل بعد، ويقصف الإسرائيليون محطات الكهرباء والمياه وآبار النفط فى إيران، ثم يُعلن ترامب النصر ويرحل. أما إيران، فسترد على البنية التحتية فى الخليج. تخيّل مدينة خليجية دون ماء للشرب! ليس هذا خيالًا؛ فمحطات التحلية توفر أكثر من 95% من مياه الشرب، وكلها تعمل بالكهرباء. وقد أصاب الحوثيون من قبل منشأة لمعالجة النفط فى رأس تنورة، وأخرجت إيران 25% من طاقة رأس لفان للغاز فى قطر من الخدمة. أضف إلى ذلك الكابلات البحرية الـ7 الممتدة تحت مياه الخليج، التى يكفى قطعها لعزل المنطقة عن الإنترنت.


• • •
وفى قلب هذا المشهد تقف إسرائيل. فهى تريد إسرائيل كبرى تضم الضفة وغزة وأجزاء من لبنان وسوريا، بأقل عدد من الفلسطينيين، وجيرانًا ضعفاء يعتمدون على واشنطن - أو بالأحرى عليها- وأن تبقى وحدها فى المنطقة صاحبة السلاح النووى. صحيح أن تداعيات هذه الحرب لا يمكن حصرها، وأن إسرائيل نفسها فى رأس قائمة الأهداف، لكنها تحصّن نفسها وتترك الخليج مكشوفًا. ومع تجدد الحرب التى يتمناها نتنياهو، يتجدد أمله فى تشكيل الحكومة، ويحقق استراتيجيته القائمة على حرب تُنهك إيران والخليج معًا، فتستنزف ثروات المنطقة وشبابها ومستقبلها، وتبدد مشروعاتها التنموية ورؤية 2030 وما بعدها، فتنشغل المملكة باليمن، وينشغل الخليج كله بإيران. وفى الأثناء، تواصل إسرائيل ما بدأته على الأرض: من غزة المحاصرة، إلى جنوب لبنان المدمر، إلى الضفة التى يتحدث وزير دفاعها صراحة عن طرد سكانها نحو الأردن.


التحدى الآن هو نزع فتيل الحرب قبل أن تعصف بالمنطقة، فتتعقد الحسابات أكثر مما هى عليه، ونجد أنفسنا نكافح لمنع تقسيم دول كنا نظنها راسخة كالجبال. وإن تساءل أحد: كيف حاق بالمنطقة كل هذا؟ ولماذا نقع فى المصيدة مرة بعد مرة؟ فلا أجد إجابة أصدق من التصورات الخاطئة. فمن يظن أنه سينجو وحده، ومن يظن أنه سابق غيره بخطوة، ومن يراهن على أن القوى التى يلجأ إليها ستحميه، كلهم وجوه مختلفة لرؤية واحدة خاطئة. وما لم تُصحَّح هذه الرؤية، ستبقى المنطقة تدفع ثمن أخطائها من دماء أبنائها ومستقبلهم.


باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved