لُغةٌ للقَتلِ

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

آخر تحديث: الجمعة 31 مارس 2017 - 9:50 م بتوقيت القاهرة

فى مُنتصف الشهر الماضى، قررت وزارةُ التربية والتعليم تعديلَ مواصفاتِ سؤال القصّة فى امتحانات اللغة العربية. القصّة هى بمثابة كتاب إضافيّ فيه موضوع واحد، مُقَرَّر على الصفوف الدراسية مِن الصفِّ السادس الابتدائيّ وحتى الثانى الثانويّ، أحيانًا ما يشمل الكتاب قصّة تاريخية وفى أحيان أخرى يميل نحو الشقّ الاجتماعيّ. موضوعُ القصة ليس هو المسألة التى لفتت نظرى، بل شكل التعديلات التى دخلت على سؤالها فى الامتحان، فقرار الوزارة يقضى بحذف أسئلةِ المفردات واللغويات بدعوى التخفيف على الطلاب، وقد أرسل مُستشار اللغة العربية بالوزارة تعليمات لموجِّهى عموم اللغة تفيد ما يلى حرفًا: «الطالب سيتعامل مع سؤال القصة مثل أى سؤال آخر حيث يهتم بالأحداث التى تدور بها والشخصيات الموجودة، أكثر من اللغويات ومفردات الكلماتِ كما أن السؤال سيكون بدون فقرة»، وقد زفَّت الصُحُف البشرى للأهالى والطلاب فى حماسةٍ وابتهاج.
مرَّ يومٌ واثنان وأسبوعٌ وأسبوعان، انتَظَرْت أن أسمعَ شيئًا أو أقرأ شيئًا يشتبكُ مع القرار سواء بالسلب أو الإيجاب، فخاب الظنُّ وراح الانتظارُ أدراجَ الرياح. أَمِلت للحقِّ أن يظهر مَن يعترض ويصرخ ويئنّ مِن اللكمات المُتتابِعة والركلات التى يُوجهها المسئولون إلى اللغةِ المسكينة؛ فلا كَتَبَ واحدٌ يدافع عنها ولا ثارَ مدرسوها ولا اعترضَ أربابُها ولا أصدر مَجمَعُ اللغةِ العربية بيانًا استنكر فيه الكلامَ أو حتى أبدى عدمَ الارتياح، وكأن الأمرَ لا يخصُّ أحدًا ولا يثير الاستياء، بل هو مبعثُ طمأنينةٍ وسلام لأولئك وهؤلاء.
***
تقول الكاتبةُ الأمريكية إيملى روبينز التى حقَّقَت روايتُها A Word for Love نجاحًا لافتًا، إن شغفها بدراسة اللغةِ العربيةِ سبقها إليه أحدُ أفراد العائلة، وإنها سارت على الدربِ ذاته وسرعان ما افتُتِنَت بتراكيبِ اللغة وعشقتها، جاءت إجابتُها هذه ردًا على سؤالٍ وُجِّهَ إليها حول السبب الذى ألهمها تَعَلُّمَ العربيةِ رغم أنها تعدُّ اختيارًا غير مُعتاد بالنسبة للمواطنين الأمريكيين. عاشت روبينز فى سوريا ما يقرب مِن عامٍ؛ ما بين ألفين وسبعة وألفين وثمانية، وهو المكان الذى اختارت أن تدور فيه روايتها، وطافت فى سطورِها بين عشراتِ المُفردات التى تمور بها العربية لوَصفِ الحُبّ. هذا الثراء اللغويّ أبهرها وأعجزنا؛ أرادت تسجيلَه وتبجيلَه وأردنا محوَه والاستهزاءَ به.
***
كلما راسلنى زميلٌ أو تواصلت معى زميلةٌ بهدفِ إجراءِ حوارٍ أو مُقابلةٍ؛ تَوَجَّست وحَسَبت الأمرَ وأعدت الحسابات، ثم طلبت أن أرى الكلامَ المُعَدَّ فى صِيغته النهائية قبل النشر، لا سخافة منى ولا تعاليًا، بل رغبة فى إخراج المعانى بأبهى صورة، ومِن قَبل الصورة والأسلوب والشكل، خوفًا مِن الأخطاء والسقطات والزلات المُهِينة التى لا يتمُّ تصحيحُها عبر المراجعين اللغويّين والمسئولين، لتترسَّخَ فى أذهاننا وكأنها عادية مقبولة.
أراجعُ وأصحِّحُ وأدقِّق، أنشدُ الكمالَ ولا أصلُ إليه بطبيعة الحالِ والأشياء، لكنى كثيرًا ما أنزعج مِن تكرار مُفرداتٍ بعينها كما لو أنّ اللغةَ خلت مِن غيرها، يحمل سطرٌ واحدٌ المفردَة نفسها ثلاث أو أربع مراتٍ، فيستفزّ العينَ ويكسرُ موسيقى الكلام ويغلق الأذنَ عن المضمون. أحذف المفردة وأستبدل بها أخرى وأخريات، وأتساءل ترى هل ضاق بحر الكلمات العربية المُفَعَّلة فى أيامنا إلى هذا الحدّ؟ كنا نتعلم فى المدرسة المُترادِفات، ونؤدى فيها جزءًا مِن الامتحان، وندرسُ الأضدادَ ونحفظها، بمرور الوقت تكوَّنت لدينا حصيلة لا بأس بها، يمكن استخدامها فى الكتابة وإن لم تجد لها مكانًا فى أحاديثنا اليومية الكئيبة.
***
ما بين قرار وزارة التربية والتعليم الذى أسفت له ولم أندهش، وانتشار المفردات الأجنبية على ألسنتنا وفى لافتاتنا وأدمغتنا وقد كتبت عنه مرارًا ولم أزل، تذكرت شخصية «التبَّاع» الذى انتفضَ فى الميكروباص حين صعدت شابةٌ أعوجَّ لسانُها وراحت تحدثه بعبارات مُطَعَّمة بالإنجليزية، بينما هو يحدِّثها بعربية ليست كالعربية، وحين استعصى التفاهم بينهما أدلى التبَّاعُ بالقول الفصل: «هو فيه كلام جديد نزل وللا إيه؟».
امتهانُ اللغةِ واختزالُها والحدُّ مِن قُدرة الناس على استعمالها جزءٌ مِن استعبادهم، وما كان الاستعمار الذكيّ ينتهجُ إلا مِثل هذه السُبل لفرضِ سيطرته ونفوذه، أما ادعاء التهوين على التلاميذ فلا يتأتى بشلِّ ألسنتهم وتحجيم مداركهم، فالمخ البشريّ لمن يريد الحقائق العلمية؛ يسع ما لا يمكن حصره ولا تُعجِزه مُفرداتٌ أو مُترادفاتٌ أو غيرها، إنما الأمر يعتمد على طُرق التدريس وأساليبه، ويتعلق بالغرض مِن وراء انتقاء أسلوب وإقصاء آخر.
***
ربما خابت عقولنا فخاب مضمونُ كلامِنا وصار حديثُنا فارغًا، مُفرغًا مِن المعنى والمحتوى، نعدم ما نقول فنكرر الأشياء نفسها، نهدر ثراءنا اللغوى خطوة تلو أخرى، بينما يتغنى به الآخرون.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved