إسرائيل تجد نفسها غارقة فى المستنقع

من الصحافة الإسرائيلية
من الصحافة الإسرائيلية

آخر تحديث: الأحد 31 مايو 2026 - 7:20 م بتوقيت القاهرة

خلال الأسبوع الماضى، تجسّدت العقيدة الأمنية القومية المحدّثة لإسرائيل، والتى ترتكز على عنصرين أساسيين: الأول هو الاستيلاء على أراضٍ من العدو، حسبما ظهر فى إعلان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشأن التقدم نحو السيطرة على 70% من قطاع غزة وعبور نهر الليطانى؛ أمّا العنصر الثانى، فهو «قطع رأس» قيادة العدو بشكل متواصل، الأمر الذى تجسّد فى اغتيال اثنين من قادة الجناح العسكرى لـ«حماس» فى غزة خلال عشرة أيام، فضلا عن اغتيال مسئول بارز فى منظومة المدفعية التابعة لحزب الله.

ومع ذلك، فإن هذه الخطوات لا تغيّر الواقع، فضلا عن أنها لا تقرّب من حسم الصراع؛ فحركة «حماس» لا تزال السلطة الفعلية فى المنطقة الفلسطينية التى يعيش فيها معظم سكان القطاع، ولا توجد مؤشرات حاليا إلى انهيار جناحها العسكرى، أو استعدادها للتخلّى عن سلاحها. وفى لبنان، تنعكس صورة مشابهة؛ إذ تمكن حزب الله من إعادة بناء نفسه، بعد الضربات غير المسبوقة التى تعرّض لها، بسرعة أكبر مما كانت تقدّر إسرائيل، وهو يدير قتالا عنيدا، ولا يبدو متأثرا كثيرا بالانتقادات الداخلية فى لبنان، أو بردع الحكومة فى بيروت.

 

ضرورة تحديد أهداف واضحة وواقعية 

 تعكس الحروب المستمرة نمطا متكررا ومشكلة مزمنة لم يتم فحصها بجدية فى إسرائيل، التى تتهرب، منذ السابع من أكتوبر، من تحليل إخفاقات الماضى، وبالتالى تعيد تكرارها، المرة تلو الأُخرى؛ فبعد تحقيق إنجازات عسكرية لافتة فى مختلف الساحات، تميل إسرائيل إلى محاولة تكرار تلك الإنجازات من دون تحديد أهداف واضحة، أو واقعية، الأمر الذى يؤدى إلى تعقيدات تتحول إلى حروب استنزاف تُضعف إنجازات الماضى، وتنتج أضرارا أكبر من الفوائد. 

وأول تجسيد لذلك كان فى مارس 2025، عندما عادت إسرائيل إلى القتال العنيف فى غزة الذى استغرق ستة أشهر، قبل أن تنتهى الحرب – بقرارٍ من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب – بطريقةٍ لا تختلف جوهريا عمّا كان يمكن تحقيقه قبل ذلك. إن الإنجاز الوحيد الذى يتباهى به مؤيّدو العودة إلى الحرب هو «السيطرة على الأرض»، الأمر الذى لم يزعزع مكانة «حماس»، فضلا عن أنه غير مضمون فى المدى الطويل لأنه يعتمد أساسا على موافقة الولايات المتحدة.

 وفى المقابل، تكبّدت إسرائيل أضرارا كبيرة؛ فإلى جانب عشرات القتلى، تورطت فى مشاريع فاشلة ومثيرة للجدل، بينها مشروع GHF ودعم الميليشيات المحلية، كذلك تضررت مكانتها الدولية بصورة كبيرة.


التحدى نفسه فى إيران ولبنان 

الآن، يتطور تحدٍّ مُشابه فى إيران ولبنان؛ ففى البداية، بدت المعركة على الساحتين كأنها نسخة جديدة من حرب الأيام الستة (1967)، لكنها تحولت لاحقا إلى حرب استنزاف مليئة بعلامات الاستفهام؛ فى لبنان، حاولت إسرائيل إعادة تطبيق نموذج عملية «سهام الشمال» الناجحة التى نُفِّذت فى أواخر سنة 2024، لكن بعد ثلاثة أشهر، وجدت نفسها غارقة فى المستنقع: تتكبد خسائر فى حرب مُحبطة لا تتأثر باحتلال كيلومتر إضافى، أو بتنفيذ عملية اغتيال أُخرى، بينما تقيّد واشنطن حرية عملها فيما يتعلق بالهجمات فى شمال نهر الليطانى، وفى الخلفية، يتنامى القلق من أن تنتهى الحرب بشروط أسوأ من تلك التى كانت قائمة فى بدايتها، وخصوصا إذا جرى تقييد حرية العمل ضد حزب الله، التى تمتعت بها إسرائيل بعد عملية "سهام الشمال"، حين كانت تضرب الحزب باستمرار من دون ردّ منه. ما هو الإنجاز الاستراتيجى الحقيقى؟

أمّا فيما يتعلق بإيران، فهناك حاجة إلى نقاش صريح وخالٍ من الشعارات والاعتبارات السياسية بشأن جدوى الحملة الأخيرة، على الرغم من الإنجازات التى حققتها؛ فإخراج المواد المخصّبة ربما يمثل إنجازا مهما، لكنه يترافق مع تساؤلٍ عمّا إذا كان فى الإمكان تحقيق الهدف نفسه عبر المفاوضات، بما فى ذلك الاتفاق النووى لسنة 2015، الذى روّجه الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما وألغاه ترامب لاحقا. 

وماذا سيجرى بشأن مصير قضية الصواريخ الباليستية الإيرانية، التى وصفها نتنياهو بأنها تهديد وجودى، بينما لا يبدو كأنه من المؤكد إدراجها فى أى اتفاق محتمل. وينطبق الأمر نفسه على وكلاء إيران فى الشرق الأوسط، فضلا عن فكرة تغيير النظام فى طهران، أو تشجيع ثورة داخلية، التى تبدو أقرب إلى الأوهام. 


الوجه الآخر للعلاقة بواشنطن

هناك حقيقة لا يرغب كثيرون فى إسرائيل الاعتراف بها، وهى أن حرية العمل غير المسبوقة والتعاون الوثيق مع الولايات المتحدة يعودان أساسا إلى وجود ترامب فى البيت الأبيض، لكن لهذا الواقع جانبا آخر؛ فعمليا، أصبح الرئيس الأمريكى صاحب القرار النهائى فيما يتعلق بإدارة الحروب الإسرائيلية وإنهائها، الأمر الذى يعزّز صورة اعتماد إسرائيل على واشنطن، كما أن ترامب نفسه معروف بتغيير مواقفه بسرعة، وفعل ذلك أكثر من مرة، بينما لا يوجد ما يضمن أن خلفاءه سيتصرفون بالطريقة نفسها، فى وقتٍ تستمر مكانة إسرائيل فى التراجع داخل الرأى العام الأمريكى. 


الحرب كاستراتيجية دائمة 

إن الحرب نفسها، الممزوجة بالأوهام والتطلعات الأيديولوجية، وخصوصا فيما يتعلق بالسيطرة على الأراضى، أصبحت بمثابة «استراتيجية» إسرائيلية منذ السابع من أكتوبر، كما أن الإصرار على عدم التحقيق فى إخفاقات ذلك اليوم، ورفض الخطاب النقدى، يدفع إسرائيل إلى دوامةٍ مستمرة من الأخطاء التى تُلحق بها أضرارا استراتيجية كبيرة، على الرغم من تفوّقها العسكرى وإنجازاتها العملياتية؛ والواقع يثبت أنه لا يمكن «القضاء على العدو نهائيا»، خلافا للشعارات التى تبرّر حروب الاستنزاف؛ كما أن الاتفاقات السياسية التى يدفع بها ترامب ربما تشمل ضغوطا للانسحاب من الأراضى التى سيطرت عليها إسرائيل فى لبنان وسوريا وغزة، سواء رغبت إسرائيل فى ذلك، أم لا. 

من المهم تحديد ما يُعتبر إنجازا استراتيجيا، من وجهة نظر إسرائيل، على الساحات الثلاث: تحقيق إزالة المواد المخصّبة من إيران؛ إبعاد تهديد حزب الله عن الجنوب اللبنانى؛ منع سيطرة «حماس» على محور فيلادلفيا؛ إلى جانب المحافظة على أكبر قدر ممكن من الحيّز العملانى على الساحة الشمالية وقطاع غزة. ويجب الاستعداد لمواجهة مزيدٍ من الصراعات فى المستقبل، لكن تحقيق هذه الانجازات سيكون أفضل حاليا من الاستمرار فى استنزاف الموارد، بناء على وعدٍ متكرر بأن «النصر الكامل» بات قريبا.

ميخائيل ميلشتاين 

يديعوت أحرونوت

مؤسسة الدراسات الفلسطينية

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved