سيولة المعرفة

صحافة عربية
صحافة عربية

آخر تحديث: الأحد 31 مايو 2026 - 7:15 م بتوقيت القاهرة

نحن نعيش عصر استهلاك المعرفة لا توظيفها، والملاحظ أنها لم تعد تسهم فى التكوين الثقافى للإنسان. فى الماضى كانت المعرفة تبنى الإنسان، تشكل عقله ورؤاه وتساعده على اتخاذ القرارات والسلوك، بناء على المعلومات المتوفرة لديه، ومع تراكم معرفة بعض الشرائح تشكلت النخب، وبرغم أن مفهوم النخب يشمل تلك الشرائح العليا فى مجالات عدة، إلا أن المقصود به غالبا النخب المعرفية، ما يؤكد تلك القوة التى تمتعت بها المعرفة وطرائق توظيفها واستخداماتها فى الماضى، لقد كانت المعرفة حجر الزاوية فى التكوين العقلى والنفسى لكثيرين، وهناك أطروحات وكتب كاملة يحدثنا فيها هذا الكاتب أو ذاك المفكر، عن الروافد المعرفية التى شكلته أو صنعته على وجه الدقة، ما يؤكد أن المعرفة فى وقت ما كانت تساوى الإنسان نفسه.

الآن المعرفة متاحة للجميع، وعلى مدار الساعة، ولكن هل اتسعت شرائح النخب؟ أو هل زادت درجة الوعى؟ أم أن الجهل الذى كنّا نصطدم به فى الماضى أصبح هو السائد؟ إلى درجة أن كثيرين أصيبوا بالإحباط واليأس لفشلهم فى مواجهة طوفان الجهل.

فى الماضى كانت الخرافات شائعة ونظرية المؤامرة، على سبيل المثال، منتشرة، ولكن لم تكن الخرافة أو المؤامرة نموذجا للقياس، وكان أتباعهما أقلية ويتوارون عن الأنظار، وإذا حدثتهم بالعقل أو المنطق أصيبوا بالخجل أو سكتوا، الآن يمكن ملاحظة أن الجهل وملحقاته قد ارتدوا زى المعرفة، وأصبحت لهم أفكارهم وحججهم، أى صنعوا المنطق الخاص بهم والذى يمكّنهم من مواجهة العقل، الحقيقى.

لقد كنّا نعيش فى زمن المعرفة الصلبة، المنتجة، الآن اختلفت قواعد اللعبة، نحيا فى عصر سيولة المعرفة، هى موجودة فى كل مكان، ولكننا لا نشعر بها، أو تأتى بنتائج عكسية، ففى زمن الحداثة ساد العقل الديكارتى العملى، والمنطق القديم، كما عرفنا قواعده وتعلمناها، واحتل العلم بقوانينه الصارمة الساحة، وجاءت مرحلة ما بعد الحداثة لتقول إن هذه المكتسبات الإنسانية ليست منتهى الطلب أو فصل الخطاب، وخرجت علينا أطروحات تشكك فى العقل، وتفكك المنطق وتسقط عرش العلم. وفى عصرنا الراهن الذى لم نستقر تماما على توصيفه ساد الاضطراب مختلف الحقول، بل وأصبحنا مثل السوفسطائيين، فالإنسان معيار كل شىء، والإنسان هنا ليس كلمة تدل على الجنس البشرى أو العقل العام، ولكنه يحيل مباشرة إلى الفرد، فكل شخص بإمكانه أن يقبل العلم أو يرفضه أو يرضى بالعقل أو ينبذه، أو يستمع إلى المنطق أو لا يأخذ به، وكأن هذه القيم المعيارية باتت نسبية تخضع للهوى والتوجه الفردى.

هذه الصورة بالطبع أسهمت فى تشكلها تقنيات العولمة الفائقة الحداثة، فعندما أجلس معزولا أطل على العالم من خلال شاشة ضيقة لا يشاركنى فيها أحد، أتعلم من هذه الشاشة كل شىء، ولا رقيب أو مربى أو مراجع، ولعقلى الحرية المطلقة فى قبول أو رفض أى شىء، ومع سيولة المعرفة المنفلتة من عقالها، يصبح كل شىء صائبا وخاطئا فى الوقت نفسه.

يحيى زكى 

جريدة الخليج الإماراتية

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved