أسلوب التفاوض الإيرانى!

عبد الله السناوي
عبد الله السناوي

آخر تحديث: الأحد 31 مايو 2026 - 7:20 م بتوقيت القاهرة

يصعب التعويل على أية تصريحات يطلقها الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» فى التوصل إلى استنتاجات أخيرة، حقيقية ومصدقة، بشأن أية صفقة مفترضة مع إيران توقف الحرب التى تتهدد بتداعياتها الكارثية العالم بأسره.

بتغريدات جازمة كتب: «الحصار البحرى سيرفع الآن».. «السفن العالقة فى مضيق هرمز ستعود إلى بلدانها فورًا».. «أنا داخل الآن إلى غرفة العمليات لاتخاذ القرار النهائى».. ثم لم يخرج شىء عن ذلك الاجتماع، وجرى التراجع سريعًا عن الرسائل الجازمة التى أوحت للعالم كله أن التوقيع على مذكرة التفاهم مسألة ساعات، وأن الحرب انتهت فعلًا، والباقى تفاصيل!

هكذا اهتزت مجددًا أية قيمة منسوبة لتصريحات ساكن البيت الأبيض، كما لم يحدث فى التاريخ الأمريكى كله، حتى إن المستشار الألمانى «فريدريش ميرتس» وصف المفاوضات بأنها عملية إذلال للولايات المتحدة!

كانت تلك القراءة الألمانية نصف الحقيقة، لا الحقيقة كلها، فى وصف المشهد التفاوضى المتعثر.

النصف الآخر من الحقيقة: الكفاءة الإيرانية البادية فى استثمار الارتباك التفاوضى الأمريكى الفادح لكسب رهاناتها اعتمادًا على طول النفس ووضوح الأهداف.

لا يمكن فهم أسلوب التفاوض الإيرانى بعيدًا عن تجربتى «البازار» و«صناعة السجاد».

الأولى رسخت قواعد وأصول التفاوض على السعر المناسب لبضائعها.

والثانية أكدت ضرورات طول النفس لنسج سجاجيدها بالغة الجمال والإتقان.

الإيرانى لا يتعجل النتائج قبل استكمال مقومات وفرص كسب رهاناته.

باعتراف «ترامب»، فإن المفاوض الإيرانى على درجة عالية من الكفاءة ويعرف كيف يعقد الصفقات.

بصياغة أخرى، فإنه يعرف ما يريد وما لا يريد، متى يصمت.. ومتى يضغط؟

نحن أمام أسلوبين متناقضين فى إدارة التفاوض؛ الأمريكى يكاد أن يكون عشوائيًا، وتتحكم فيه النوازع أكثر من الاستراتيجيات، وتغيب عنه منذ البداية أية معلومات حقيقية عن طبيعة إيران وحضارتها وشعبها.

تباينت أهداف الحرب بين الشريكين الأمريكى والإسرائيلى حتى أصبح كل منهما عبئًا على الآخر، يقيد حركته ويربك حساباته الانتخابية الوشيكة؛ الكنيست والتجديد النصفى لمجلسى الكونجرس فى الخريف المقبل.

بالحساب الأمريكى، فإن إنهاء الحرب بأكبر قدر ممكن من المكاسب الملموسة مصلحة انتخابية للجمهوريين يميل إليها «ترامب».

وبالحساب الإسرائيلى، فإن إنهاء الحرب على نحو ما انطوت عليه مذكرة التفاهم هزيمة استراتيجية مؤكدة تزعزع حظوظ «نتنياهو» الانتخابية مع حلفائه فى اليمين الصهيونى.

بتداخل الحسابين، فإن أنصار إسرائيل فى الكونجرس الأمريكى يميلون إلى مواصلة الحرب.

معضلة «ترامب» أن مصلحته المباشرة تتناقض مع مصالح حلفائه الموثوقين.

هذا يفسر إلى حد كبير الارتباك الظاهر فى صناعة القرار التفاوضى.

عاد «ترامب» بأسرع من أى توقع ليناقض نفسه وينسف وعوده بإنهاء الحرب «الآن» و«فورًا».

نقطة الضعف الأخرى فى إدارة التفاوض هى شخصية «ترامب».

فهو نرجسى مفرط يتحدث كثيرًا بكلام يناقض بعضه بعضًا.

زعم فى البداية أنه سوف يحقق اتفاقًا أفضل مما أنجزه الرئيس الأسبق «باراك أوباما» عام (2015)، الذى طالما وصفه بأنه كارثى.. فإذا به الآن أمام مذكرة تفاهم أقل بكثير من اتفاق «أوباما».

كلما بدا أنه أمام فرصة حقيقية لإنهاء الحرب، يتراءى أمامه شبح «أوباما» والسخرية من ادعاءاته السابقة.

وفى الوقت نفسه، فإن شبح رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو» حاضر دومًا فى نفس المشهد، عائقًا رئيسيًا أمام أى تسوية ممكنة لحرب باهظة التكاليف لا يؤيدها الرأى العام فى بلاده، وتسحب من رصيد شعبيته على المكشوف، كما لم يحدث مع أى رئيس أمريكى سابق.

 «سنقوم باستخراج الغبار النووى بالتنسيق مع إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية».

كان ذلك تصريحًا ترامبيًا تغلب عليه أمنياته أكثر من حقائقه.

وفق مذكرة التفاهم، فإن الملف النووى كله مؤجل إلى مرحلة تالية من التفاوض.

 «إيران لن تمتلك أبدًا سلاحًا نوويًا».

لم يكن هناك جديد فى التعهد الإيرانى بعدم إنتاج أسلحة نووية، لكنه أراد أن يبدو فى صورة من حقق إنجازًا كبيرًا.

وفق تصريحاتهم الرسمية، أكد الإيرانيون أنه لا يوجد أى بند فى مذكرة التفاهم ينص على تدمير اليورانيوم المخصب.

كان ذلك تحديًا مبطنًا لما أراد أن يوحى به «ترامب».

النقطة الحساسة فى مذكرة التفاهم تتعلق بالإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، (12) مليار دولار كدفعة أولى.

 «إيران لن تدخل أى مفاوضات أخرى إلا بعد الحصول على تلك الأموال».

الأموال تحتاجها إيران لترميم تصدعات اقتصادها، وهى غير مستعدة لأى تردد أمريكى فيما جرى الالتزام به فى مذكرة التفاهم، بضغط إسرائيلى أو غير إسرائيلى.

تحريك الاقتصاد المنهك مسألة جوهرية بكل حساب إيرانى.

إنها مسألة أمن قومى، كما هى من ضرورات تثبيت النظام.

وفق مذكرة التفاهم، فإن الحرب يفترض أن تتوقف على كافة الجبهات، وبالذات على الجبهة اللبنانية.

هذه نقطة أخرى بالغة الحساسية.

لا الإيرانيون بوسعهم إدارة ظهورهم للبنانيين وتركهم وحدهم تحت النار.. ولا الأمريكيون بمقدورهم إجبار الإسرائيليين على الالتزام بوقف إطلاق النار فى الجنوب اللبنانى.

عندما أعلن «ترامب» بدرجة عالية من الجزم رفع الحصار البحرى عن إيران وفتح مضيق هرمز أمام السفن العالقة للإبحار إلى بلدانها، بدا العالم كله كأنه أمام انفراج حقيقى فى الأزمة المستحكمة، غير أن إسرائيل فى نفس اليوم رفضت، فى مفاوضاتها مع وفد عسكرى لبنانى احتضنه البنتاجون، أى انسحاب من الأراضى المحتلة.

كان ذلك إخلالًا جسيمًا بنص ملزم فى مذكرة التفاهم، أقرب إلى أن يكون فيتو إسرائيليًا على فكرة الانسحاب عبر المسار التفاوضى الأمريكى الإيرانى، أو عبر المسار الإسرائيلى اللبنانى؛ لا انسحاب ولا حديث عن سلام محتمل، وكل ما هو معروض للتفاوض نزع سلاح حزب الله ولا شىروع تفجير لبنان من الداخل ودفعه للاحتراب الأهلى.

وبدرجة مماثلة، صعدت إسرائيل حربها على غزة بذريعة يتبناها مجلس السلام العالمى، الذى أسسه ويترأسه الرئيس الأمريكى، وهى أن ما يعيق إعمار غزة هو عدم موافقة «حماس» على نزع سلاحها ولا شىء آخر.

الطلب الإسرائيلى بنزع كل الأسلحة على جميع الجبهات يستهدف -بالضبط- إخضاع المنطقة كلها لإرادتها المنفردة.

إنه سلام القوة، والشرق الأوسط الجديد.

لم تكن مصادفة أن يدعو «ترامب» الدول الرئيسية فى المنطقة إلى عقد اتفاقيات إبراهيمية مع إسرائيل، كأنه مخرج سياسى من مأزقه ومأزقها معًا بتحقيق الأهداف الاستراتيجية للحرب الخاسرة بمقاربات أخرى، غير أن الحقائق وحدها تتكلم.

لا منطق القوة يصلح لإملاء الإرادات، ولا مشروع إسرائيل الكبرى يمكن أن يمر.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved