عمر مكرم أبو الحركة الوطنية المصرية

سمير عمر
سمير عمر

آخر تحديث: الأحد 31 مايو 2026 - 7:20 م بتوقيت القاهرة

فى الجهة المقابلة لمسجد السلطان فرج بن برقوق، وإلى اليسار قليلا من مدخل مدافن شهداء الجيش المصرى، بالمنطقة المعروفة بصحراء المماليك، يرقد واحد من عظماء مصر المحروسة وقادتها الأفذاذ، إنه الزعيم الوطنى الكبير «عمر مكرم» نقيب السادة الأشراف الذى ولد فى أسيوط سنة 1750 وتوفى فى طنطا عن عمر ناهز ثلاثة وسبعين عاما. 

كنت صبيا حين التحقت شقيقتى الكبرى «وفاء» بالعمل مدَرِسة فى دارالحضانة التى تحمل اسم «عمر مكرم»، ولم تكن دار الحضانة سوى مبنى صغير ملاصق للمدفن الواسع الذى يضم مقبرة الزعيم، وتتكون من فناء مربع يستخدم كملعب لكرة القدم وتصطف على جوانبه أربع حجرات قُسمَت فصولاً لأطفال الحضانة ومكتبين للإدارة 

أتذكر جيدا النشيد الذى كنا نردده للترحيب بضيوف دار الحضانة من المسئولين المحليين: 

عمر مكرم حضانتنا 

فيها كل سعادتنا 

بترحب بيكم 

وبتسعد بيكم 

أهلا أهلا أهلا بيكم 

بالطبع لم أكن أعلم فى هذه السنوات شيئا عن الرجل الذى تحمل دار الحضانة اسمه، سوى أنه شخص «مدفون» فى المقبرة المجاورة، وغلب على الظن آنذاك أنه قطعا الجد الأكبر لمالكة الحضانة ومديرتها الصارمة.

ومرت السنون وعرفت الكثير عن الرجل ومكانته ودوره العظيم فى الحركة الوطنية المصرية فى عصرها الحديث، وتعجبت من الأقدار التى جعلت مدفنه مواجها لمدفن مؤسس دولة المماليك البرجية السلطان برقوق فى المسجد الذى بناه ابنه فرج بن برقوق وكأن مواجهته لظلم المماليك وبطشهم لم تنته برحيله.

لم يكن عمر مكرم مجرد رجل شريف النسب، بل كان عالما فقيها وزعيما مجاهدا، فرغم تخرجه فى الأزهر، إلا أنه آثر الانشغال بهموم الناس والمشاركة فى الشأن العام. 

فى عام 1893 توفى نقيب الأشراف وشيخ السادة البكرية السيد محمد البكرى، ولم يكن له ولد، فأسند الأميران مراد بك وإبراهيم اللذان كانا يحكمان مصر تحت الولاية العثمانية أمر نقابة الأشراف للسيد عمر مكرم ، ليسطع بعدها نجمه وتتسع شعبيته فى صفوف المصريين، خاصة حين تصدى لظلم الأميرين إبراهيم ومراد اللذين أسندا إليه أمر نقابة الأشراف رغم ما كان بينه وبينهما من تقدير واحترام.

ولما احتل الفرنسيون مصر سنة 1798 هرب الأميران وتركا الشعب المصرى ليواجه مصيره أمام الحملة الفرنسية، فنادى عمر مكرم بالجهاد وقاد انتفاضة شعبية ضد الفرنسيين، بالطبع كانت الهوة شاسعة بين جيش مسلح بأحدث الأسلحة، ومواطنين لا يملكون سوى العصى والنبابيت. 

فاختار الشيخان الشرقاوى والسادات أن يستسلموا ويسلموا البلاد للفرنسيين، لكن عمر مكرم رفض ذلك، وآثر أن يصحب جيش إبراهيم بك نحو المنصورة ثم إلى سيناء وجيش الحملة الفرنسية يلاحقهم، حتى استقر به المقام فى يافا، حتى دخلها الفرنسيون ، فكان «نابليون» حريصا على إكرامه وإعادته إلى مصر، على أمل أن يستميله ويكسبه فى صفه ، لكن هيهات ، فقد رفض عمر مكرم التعاون مع المحتل الفرنسى، تماما كما واجه ظلم المماليك والوالى العثمانى. 

 يحفل سجل السيد عمر مكرم بالمآثر الخالدة، وتاريخ نضاله الوطنى محفور بأحرف من نور، أو كما قال الجبرتى عنه: «وارتفع شأن السيد عمر وزاد أمره بمباشرة الوقائع (الحروب) وولاية محمد على باشا وصار بيده الحل والعقد والأمر والنهى والمرجع فى الأمور الكلية والجزئية».  

فهو من قاد المصريين فى ثورتهم ضد الفرنسيين، وهو من ساهم فى تولية محمد على حكم مصر و ألزمه بأن يسير فى الناس بالعدل، وهو من ثبت أركان حكمه حين أردا السلطان العثمانى خلعه، وهو من وقف إلى جواره حين تآمر المماليك عليه، وهو من حشد الجماهير لمقاومة حملة فريزر عام 1807 حتى خرجت من مصر بخفى حنين، وهو من كان للناس زعيما مخلصا يرد عنهم المظالم ويتصدى لمحمد على إن حاول مخالفة ما عاهد الناس عليه من أن يسير فيهم بالعدل. 

ورغم كل ذلك أو ربما بسبب كل ذلك ظهر من بين من كانوا يصطفون معه فى السراء والضراء من المشايخ، من يحقد عليه ويسعى لإزاحته طمعا فى مكانته التى لم ينلها إلا بانحيازه لعوام الناس وفقرائهم، ووجدها محمد على فرصة ذهبية للتخلص من زعامته التى كانت تحول بينه وبين انفراده بالحكم ، فأمر بنفيه إلى دمياط ليحول بينه وبين الاجتماع بالجماهير التى كرس حياته للدفاع عنهم. 

غير أن محمد على كان يقدر عمر مكرم ويحترمه ويجله، بقدر ما كان يحتقر منافسيه الذين بثوا الفتنة وروجوا عنه الشائعات. 

وبقيت سيرة عمر مكرم نقية طاهرة كنموذج لزعيم وطنى آمن بأمته ووطنه وضحى من أجل أهله وناسه.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved