فى وصف المأزق المصرى


شريف خليفة

آخر تحديث: الأربعاء 31 يوليه 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

يتبارى العديد من المراقبين فى محاولة توصيف ما حدث مؤخرا فى مصر. وذلك عن تصور أن دقة الوصف قد تساهم فى تحديد الموقف منه أو فى تبرير موقف تم تبنيه مسبقا. فمن ناحية، يرى البعض أن ما تم ينطبق عليه وصف الانقلاب العسكرى كما يتبدى فى إطاحة القوات المسلحة بأول رئيس منتخب ديمقراطيا. ومن ناحية أخرى، يرى البعض أن ما حدث ثورة ضد رئيس استبدادى أقنعت القوات المسلحة بالحاجة الملحة للتدخل لضمان الوفاء بمطالب الشعب. وبينما يستمر ذلك الجدل حول المسميات والمصطلحات، يتبقى أن ننظر إلى التداعيات المتوقعة لما تم وتأثيره على آفاق الاستقرار والديمقراطية فى مصر:

أولا: لقد أهدر السياسيون فرصة غير مسبوقة لكى يتولى المدنيون إدارة المشهد السياسى دون إطلالة من القيادات العسكرية. وقد حرمت التطورات الأخيرة هؤلاء فرصة الاستفادة من التجربة للتوصل لنتيجة مفادها أن السبيل الأفضل لتفادى الأزمات هو ممارسة السياسة. وذلك من خلال تقديم تنازلات والتوصل لحلول وسط. وسوف يستمر ذلك القصور فى الممارسة السياسية ليكون عائقا لا يسمح للبلاد لبلورة ساحة سياسية ناضجة.

ثانيا: تمكنت المؤسسة العسكرية فى العام الماضى من استعادة شعبيتها بابتعادها عن معترك السياسة. بالتالى فإذا غرقت القوات المسلحة فى مستنقع السياسة مرة أخرى، فإن قادتها سوف يضطرون إلى تبنى قرارات قد تكون غير مقبولة شعبيا وخاصة فى ظل بيئة مضطربة ومليئة بالتناقضات. وهو ماقد يؤدى إلى فقدان تلك الشعبية بما قد يهدد الأمن القومى المصرى.

ثالثا: تعد التطورات الأخيرة سابقة سوف تسمح بأن يفرض ظل المؤسسة العسكرية نفسه على المشهد السياسى فى مصر لسنوات مقبلة. ولقد قدمت القوات المسلحة نفسها بحسبانها حارسا للاستقرار وقيما على الأمن القومى. وهو ما يمكن استغلاله من قبل أى قيادة مستقبلية للقوات المسلحة ذريعة لإحكام القبضة على الساحة السياسية. وهو ما قد يهدد عملية التحول الديمقراطى فى مصر.

رابعا: تعد أحد أهم التحديات التى تواجه الدول العربية فى أعقاب الربيع العربى تقبل كبار الضباط لقرارات القيادة المدنية المنتقاة من الشعب. بينما تدفع التطورات الأخيرة فى مصر بالمؤسسة العسكرية إلى مركز الصدارة بما لا يسمح لأى قيادة سياسية مستقبلية لأن تجرؤ على الحد من سلطتها أو الرقابة على أنشطتها. وتلك عقبة أمام أى مسيرة ديمقراطية تسعى لتعزيز الإشراف المدنى على مؤسسات الدولة.

خامسا: يعد قيام بعض التيارت الإسلامية بتنقيح أفكارها لتقبل قواعد اللعبة الديمقراطية أحد أهم التطورات السياسية فى السنوات الأخيرة. وقد كان هذا التطور لصالح البلدان التى عانت لفترة من الأعمال الإرهابية. وبالتالى فإن عزل رئيس ذى خلفية إسلامية قد يعطى قبلة الحياة لإحياء دعوات التشدد والتطرف. وبما يمكن أن يكون تمهيدا لسنوات طويلة من الاضطرابات وعدم الاستقرار.

●●●

سادسا: إن الاستنتاج الذى يمكن أن تستخلصه التيارات الإسلامية من التطورات الأخيرة هو أنهم إذا وصلوا إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع، فإن خصومهم سوف يستخدمون كافة الوسائل للإطاحة بهم. وبالتالى فإنه إذا سمح لهم بتولى السلطة، فإن مساعيهم سوف تتركز فى تعزيز سلطاتهم لتفادى تكرار ما حدث. وهو ما قد يؤدى إلى إعاقة عملية التداول السلمى للسلطة.

سابعا: من المتعارف عليه أنه لكى تتمكن الديمقراطية من الاستقرار فعلى الفصائل السياسية أن تثق فى آلية الاقتراع كوسيلة للتعرف على رأى المواطنين. وبالتالى فإن عملية استدعاء المؤسسة العسكرية لعزل مسئول منتخب تقوض أى اعتبار للآليات المؤسسية التى تم تصميمها لضمان التداول السلمى للسلطة. وهو ما قد يهدم أى أساس لعملية ديمقراطية ذات مصداقية فى مصر.

ثامنا: تؤدى التطورات الأخيرة إلى مزيد من الانقسام والاستقطاب فى المجتمع حول قضايا هوية الدولة، ودور الدين فى السياسة. ومن المتوقع أن تتفاقم تلك المناظرات الفكرية لا سيما وأن البعض يرى أن المؤسسة العسكرية قد انحازت إلى جانب أولئك الذين يعتبرهم البعض ذوى ميول علمانية. وبالتالى، سوف تبقى البلد رهينة لمجادلات نخبوية تهدر الوقت والطاقة بعيدا عن المساعى الجادة للتعامل مع المحن اليومية للشعب المصرى.

تاسعا: تغرى التطورات الأخيرة أى معارضة سياسية بعيدا عن مساعى الفوز فى صناديق الاقتراع عن طريق إقناع دوائرهم بالتصويت لهم إلى محاولة إسقاط الأنظمة عن طريق تعطيل عمل الإدارة. وهو ما قد يؤدى أيضا لمحاولات بعض الساسة للتقرب واسترضاء القادة العسكريين بديلا عن تقديم برامج جادة للمواطنين تقنعهم بانتخابهم.

عاشرا: تهدر التطورات الأخيرة الثقة بين التيارات السياسية وبما لا يسمح باستعادتها فى الوقت القريب. وقد كان انعدام الثقة وشكوك كل طرف فى نوايا الآخر العامل الأساسى فى عدم قدرتهم على الحوار لاحتواء الأزمة. وقد تؤدى التطورات الأخيرة لتفاقم هذا الشعور بعدم الثقة. وبالتالى تكون أى دعوات للمصالحة الوطنية خالية من المحتوى والمضمون الذى يضمن لها النجاح.

●●●

أخيرا: يتضمن التحالف الذى أيد خريطة الطريق خليطا من مجموعات ليس بينها قاسم مشترك سوى رغبتها فى الإطاحة بالإخوان وحلفائهم. وبما يعنى أن الذين اجتمعوا لتحقيق هدف مشترك، دون أى عوامل أخرى تجمعهم، سوف يواجهون حتما تناقضاتهم. ومن المتوقع أن تكون التيارات الثورية الأقل قدرة على فرض رؤيتها. وهو ما قد يؤدى إلى تبديد مطالب الثورة التى ارتكزت قوتها على تعاضد تياراتها الثورية والإسلامية.

 

أستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved