عن الفلسفة والتدين والمرض النفسى
أسامة غريب
آخر تحديث:
الجمعة 31 يوليه 2026 - 8:00 م
بتوقيت القاهرة
هل وظيفة الفلسفة أن تجعل الإنسان سعيدا؟ لا أعتقد أن هذا دورها، فالفلسفة هى الأسئلة التى لا تنتهى، وهذه بدورها لا تجلب سوى الحيرة والقلق، ومع ذلك فهى تنير العقل وتكشف جوهر الحياة. لهذا بالتحديد يقف رجال الدين من الفلسفة موقف العداء، فرجل الدين لا همّ له سوى تدجين البشر وصبهم فى قوالب وتعليبهم بعد طرحهم أرضًا ليتمكن السياسى من إلقاء البرسيم لهم بينما يطول بهم الرقاد. ورجل الدين بالأساس هو المسئول عن شيوع المفهوم الشعبى عن الفلسفة بأنها تعنى الفزلكة والتحزلق والكلام الفارغ والابتعاد عن الموضوع وتمييع القضايا. تقول الفلسفة إن حزنًا صادقًا هو بالتأكيد أفضل من فرحة زائفة، ذلك أن الفلسفة تعنى بالصدق وتهتم بالمواجهة، أما الاختباء ومصادقة الأوهام فتبتعد تمامًا عن الطرح الفلسفى. وفى هذا السياق يرد علماء النفس بأن الفرحة الزائفة ليست بالضرورة مرفوضة خاصة إذا كان لها تأثير يهدئ من روع المريض النفسى ويفتح أمامه أبوابًا للأمل ولو على غير أساس ريثما تستعيد نفسه الثائرة هدوءها وقدرتها فى الحكم على الأشياء.
وهنا بالضبط نضع يدنا على ماهية الفلسفة ودورها، إذ إنها تخص أصحاب السواء النفسى الذين تمت معالجتهم ولم يعودوا فى حاجة للأوهام. ويمكننا هنا أن نقول إن العلاج النفسى يخلص المريض من الطواحين التى تضرب الدماغ وتعيد إليه التعاسة العادية الخاصة بالبشر.. وفى هذه الحالة يمكن للفلسفة أن تتقدم وتلعب دورها مع الإنسان الطبيعى الذى تصاحبه التعاسة العادية لا المرضية. ولهذا يمكننا أن نقول أيضًا إن الإنسان الواقع تحت تأثير رجل الدين لا يمكن أن يكون الزبون الطبيعى للفلسفة فهذا شأنه شأن المريض النفسى، بل لعله أصعب فى العلاج إذ إنه كثيرا ما يقدس الأشياء التى تطمس عقله وتحول بينه وبين فهم الحياة، كما تضع بينه وبين الطروحات الفلسفية حجبًا كثيفة بعد أن أقنعه رجل الدين بأن الأسئلة الكونية جميعها قد تمت الإجابة عليها فى الكتب المقدسة وأن باب الاجتهاد وطرح الأسئلة قد أغلق من زمان ولم يعد للأسئلة الفلسفية من دور سوى تخريب العقول وفتن الناس فى دينهم!
وما دمنا قد تحدثنا عن الأسئلة الكبرى والبحث عن إجاباتها، بوسعنا القول إنها نقطة ضعفنا الأزلية. لماذا لا نجد إلا نادرا أحدا من العرب أو المسلمين مشغولاً بالبحث عن الأسئلة المتعلقة بالكون والوجود؟ لماذا استطاع الأوروبيون الوصول إلى أمريكا واستراليا فى زمن لم تكن فيه الفجوة قد اتسعت بيننا وبينهم بدرجة كبيرة، بل كان لدينا أساطيل عربية وتركية تجوب البحار مثل أساطيلهم. ولماذا عندما نرصد قمم الجبال فى أى وقت لا نجد هناك سوى مغامرين من كندا وأمريكا وأوروبا، لكن لا نجد أبدا من بينهم شخص عربى واحد؟.. وكيف تكون المنصات العلمية الموجودة بالقطب الشمالى والجنوبى، تلك المزروعة فى الفضاء الجليدى اللا نهائى مسكونة على مدار العام بمهندسين وخبراء من روسيا وفنلندا والنرويج دون وجود شخص عربى أو مسلم من بينهم. لا أتساءل هنا عن دول متقدمة وأخرى متخلفة، بل يعنينى المواطن الذى انغمس فى هوايات وصراعات العصر الحديث بصرف النظر عن موقع بلده على سلم العصرنة، مواطن الانستجرام والتيك توك العربى.. لماذا لا تثار داخل نفس هذا المواطن أسئلة كونية تحتاج إجابتها إلى السفر التأمل ونبذ المألوف عن طريق المغامرة والرصد والانغماس الذى قد يصل بصاحبه إلى تغيير المصير والاتجاه. أعتقد أن الأسئلة الكبيرة لا يفكر فى إجاباتها سوى الذين تحرروا من ضغط الحاجات الأساسية من مأكل ومأوى وملبس، وكذلك عرفوا الحرية وتشرّبوها. لهذا قد تجد الأوروبى يذهب فى رحلة روحية إلى جبال الهيمالايا لاستكشاف الذات، أما العربى فلا يفعل ذلك أبدا لأنه حتى لو كان غنيا ودولته موسرة فإنه دائما فى حالة سعادة بالأسئلة الصغيرة التى حصل على إجاباتها من الشيخ أو القسيس أو الزعيم، فما حاجته إلى إجهاد ذهنه وإعمال عقله وتبديد طاقته فيما لا يفيد!.
لقد عرف الإنسان العربى أن الذين يصعدون إلى المريخ هم أناس ضالون يبددون مواردهم فيما لا يفيد، وفى النهاية ما الذى يحصلون عليه من مركباتهم الفضائية وبعثاتهم الاستكشافية؟ إن كل ما يعثرون عليه ويجدونه هناك مذكور عندنا فى الكتب المقدسة التى تكفّل الأولياء والصالحون بتفسيرها دون أن يتحركوا من أماكنهم، ومَن يملك الإيمان فى قلبه كما نعلم يمكنه أن يمشى على الماء كما يمكنه أن يطير فى الهواء، بل وقد يتمكن من تحريك جبل المقطم من مكانه!. لقد تفضل أحد الشيوخ المتصيتين ذات مرة وجاء بها على بلاطة عندما قال: دع الأجنبى يبحث ويستكشف ويكد ويتعب، ونحن فى النهاية سنحصل على ناتج اختراعه.. لقد سخره الله لنا كما سخر البهائم والأنعام. لهذا فإنك لن تجد عربيا مغفلا فوق قمة جبل إفرست ولا مسلما ساذجًا داخل مكوك فضائى ولا مواطنًا شرق أوسطى مهموما بالبحث عن حقيقة الخلق وراغبا فى الوصول إلى سر الحياة، لكنك ستجد هؤلاء وقد شدوا الرحال إلى شارع إيدجوير فى لندن وجلسوا يشدون أنفاس الشيشة على الرصيف موجهين طاقة التأمل داخلهم إلى النساء العربيات اللاتى يتبخترن فى كامل زينتهن التى يخفينها فى الديار ويعرضنها بسعادة فى شوارع لندن!
لن نعرف الأسئلة الكبرى ولا إجاباتها ما دام الكاهن يعترض طريقنا، والسياسى يفضلهم رعيّة جاهلة لا يشغلها سوى تدبير الوجبة القادمة!