مسيرة دمياط

عمرو حمزاوي
عمرو حمزاوي

آخر تحديث: الجمعة 31 يوليه 2026 - 7:50 م بتوقيت القاهرة

لا ينبغى النظر إلى الهجوم الذى استهدف ميناء دمياط بطائرة مسيرة باعتباره حادثًا أمنيًا معزولًا أو اعتداءً محدودًا على إحدى المنشآت الاقتصادية المصرية، وإنما بوصفه حلقة جديدة فى سياق إقليمى يتسم باتساع رقعة المواجهات العسكرية وتزايد محاولات استدراج دول الشرق الأوسط إلى صراعات ليست بالضرورة من صنعها أو فى خدمة مصالحها الوطنية. فالحرب الأمريكية الإيرانية، سواء جرت بصورة مباشرة أو عبر الضربات المتبادلة والعمليات التى تنفذها أطراف حليفة لهذا الطرف أو ذاك، لم تعد تقتصر آثارها على الولايات المتحدة وإيران، بل باتت تنتج بيئة إقليمية شديدة الاضطراب تتراجع فيها الاعتبارات السياسية والدبلوماسية لصالح الحسابات العسكرية، وتزداد فيها احتمالات انتقال المواجهات من ساحة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى.


ومن هذه الزاوية، يبدو استهداف ميناء دمياط أكثر من مجرد رسالة أمنية. فهو محاولة لإدخال مصر، ولو تدريجيًا، إلى دائرة الصراع الإقليمى، سواء عبر دفعها إلى الانخراط العسكرى أو عبر فرض أولويات أمنية جديدة عليها تستنزف مواردها وتعيد توجيه اهتمامها بعيدًا عن أهدافها الأساسية المتمثلة فى التنمية الاقتصادية والاستقرار الداخلى وتعزيز مكانتها الإقليمية بوصفها قوة سلام ووساطة. ولا يعنى ذلك بالضرورة أن الجهة التى نفذت الهجوم كانت تستهدف هذا الهدف وحده، إلا أن النتيجة العملية لمثل هذه الاعتداءات تتمثل دائمًا فى توسيع نطاق الحرب وإدخال أطراف جديدة إلى معادلاتها.


ويكتسب ميناء دمياط أهمية تتجاوز كونه أحد الموانئ التجارية الرئيسية فى مصر. فهو جزء من منظومة الأمن الاقتصادى المصرى ومن شبكة الموانئ التى ترتبط مباشرة بحركة التجارة فى البحر المتوسط، كما أنه يمثل عنصرًا مهمًا فى استراتيجية الدولة المصرية لتحويل موقعها الجغرافى إلى مركز إقليمى للتجارة والخدمات اللوجستية. ومن ثم فإن استهدافه يبعث برسائل تتجاوز حدود مصر، وتمس ثقة المستثمرين وشركات الملاحة، فى وقت تواجه فيه المنطقة أصلًا اضطرابات واسعة فى البحر الأحمر والخليج أثرت سلبًا فى حركة التجارة العالمية وفى إيرادات قناة السويس.


• • •
ومن هنا فإن التعامل المصرى مع هذا الاعتداء ينبغى أن يجمع بين مستويين متكاملين. المستوى الأول أمنى وعسكرى، قوامه حماية المجالين البحرى والجوى والمنشآت الحيوية، وتطوير منظومات الردع والدفاع، وتعزيز القدرة على منع تكرار مثل هذه الهجمات. أما المستوى الثانى فهو سياسى واستراتيجى، ويتمثل فى رفض الانجرار إلى منطق الحرب المفتوحة أو السماح بتحويل مصر إلى طرف مباشر فى صراع تتجاوز أسبابه وحدوده مصالحها الوطنية.


فالخبرة التاريخية المصرية تشير إلى أن حماية الأمن القومى لا تتحقق فقط من خلال امتلاك القوة العسكرية، وإنما أيضًا عبر حسن توظيفها، وعبر القدرة على التمييز بين المعارك التى تفرضها ضرورات الدفاع عن الوطن، وتلك التى يسعى الآخرون إلى جر الدولة إليها. وقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن كثيرًا من الحروب فى الشرق الأوسط بدأت بحوادث محدودة ثم تحولت إلى مواجهات واسعة دفعت دول المنطقة أثمانها البشرية والاقتصادية والسياسية، بينما بقيت أسباب الصراعات دون حلول مستدامة.


ولذلك فإن الحكمة تقتضى ألا تسمح مصر بأن تصبح جزءًا من الحرب الأمريكية الإيرانية، لأن هذه الحرب، فى مختلف مراحلها، لا تنتج أمنًا لأى طرف، وإنما تكرس منطق القوة العسكرية وتعمق انعدام الثقة وتوسع دوائر عدم الاستقرار. فالضربات العسكرية الأمريكية، مهما بلغت دقتها، لم تنجح فى إنهاء مصادر التوتر مع إيران، كما أن السياسات الإيرانية القائمة على توظيف الوكلاء الإقليميين والردود غير المباشرة لم تؤد إلا إلى زيادة هشاشة الأمن الإقليمى وإطالة أمد الصراعات. وفى الحالتين، تدفع دول المنطقة، ومنها مصر، جانبًا مهمًا من الكلفة الاقتصادية والأمنية لهذه المواجهة.


ويكفى النظر إلى أوضاع الملاحة فى البحر الأحمر والخليج خلال العامين الماضيين لإدراك حجم هذه الكلفة. فقد تراجعت حركة العبور فى بعض الفترات، وارتفعت تكاليف التأمين والشحن، وتأثرت التجارة الدولية، وانعكس ذلك على الاقتصادات الوطنية، وفى مقدمتها الاقتصاد المصرى الذى ترتبط مصالحه بصورة وثيقة بأمن قناة السويس واستقرار طرق التجارة البحرية. ومن ثم فإن استمرار المواجهة الأمريكية الإيرانية، أو انتقالها إلى مراحل أكثر اتساعًا، لا يمكن إلا أن يفاقم هذه الأضرار ويضيف إليها مخاطر جديدة.


• • •
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى التمسك بالدبلوماسية بوصفها الخيار الأكثر عقلانية. فمصر ليست دولة تبحث عن أدوار عسكرية خارج حدودها، وإنما دولة تستند سياستها الخارجية إلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمى، وإدارة الأزمات بالحوار، والبحث عن التسويات السياسية. وهذه السياسة لم تكن يومًا تعبيرًا عن تردد أو ضعف، وإنما عن إدراك عميق لطبيعة المصالح المصرية وللثمن الباهظ الذى دفعته المنطقة جراء الحروب المتعاقبة.


ولعل ما تحتاج إليه المنطقة اليوم ليس مزيدًا من الضربات العسكرية ولا اتساع نطاق المواجهات، وإنما إعادة الاعتبار لفكرة الأمن الإقليمى الجماعى. فمن غير المعقول أن تستمر ترتيبات الأمن فى الشرق الأوسط رهينة للتنافس بين القوى الكبرى أو للصراع بين الولايات المتحدة وإيران أو للمواجهات الإسرائيلية مع محيطها العربى والإقليمى. فالاستقرار الحقيقى لا يمكن أن يقوم إلا على قواعد مشتركة تحترم سيادة الدول، وترفض استخدام القوة أو التهديد بها، وتؤسس لآليات دائمة للحوار وتسوية النزاعات وبناء الثقة.


وقد دافعت مصر، فى مراحل مختلفة، عن هذا الفهم الشامل للأمن الإقليمى، انطلاقًا من قناعة بأن أمن الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط وقناة السويس حلقات مترابطة لا يجوز التعامل معها بمنطق التجزئة. ولذلك فإن مصلحة مصر لا تكمن فى الانضمام إلى محاور عسكرية جديدة، وإنما فى العمل مع الدول العربية والقوى الإقليمية الراغبة فى الاستقرار، من أجل الدفع نحو ترتيبات أمنية أكثر استدامة، تتراجع فيها احتمالات الحرب ويزداد فيها الاعتماد على الدبلوماسية والوساطة.


• • •
ولا يتناقض هذا التوجه مع ممارسة الدولة المصرية حقها الكامل فى الدفاع عن أمنها القومى. فكل اعتداء على الأراضى المصرية أو على منشآتها الحيوية يستوجب تحقيقًا دقيقًا، وردعًا فعالًا، ورفعًا لمستوى الجاهزية الأمنية والعسكرية. غير أن الردع شىء، والانجرار إلى حرب إقليمية شىء آخر. فالأول يحمى المصالح الوطنية، أما الثانى فقد يضعها فى قلب صراع مفتوح لا يخدم سوى القوى التى تراهن على تعميم الفوضى وإضعاف الدول الوطنية.


إن مصر، بحكم موقعها الجغرافى وثقلها السياسى وخبرتها الدبلوماسية، مطالبة اليوم بالتمسك بهذا التوازن الدقيق: حماية أمنها القومى بكل الوسائل المشروعة، مع رفض الانجرار إلى حرب لا تخدم مصالحها ولا مصالح المنطقة. فالهجوم على ميناء دمياط ينبغى أن يكون دافعًا لتعزيز إجراءات الحماية والردع، لا سببًا للتخلى عن السياسة المصرية القائمة على الاعتدال والوساطة والسعى إلى احتواء الأزمات.


ويبقى أن الحرب الأمريكية الإيرانية، مهما تبدلت صورها وأدواتها، لن تنتج «شرق أوسط» أكثر أمنًا واستقرارًا، بل ستقود إلى مزيد من التفكك والاضطراب، وإلى اتساع دائرة الخسائر الاقتصادية والإنسانية. ومن ثم فإن الدفاع عن المصالح المصرية يقتضى رفض الاستدراج إلى هذه الحرب، والتمسك فى المقابل بدور مصر كدولة سلام وقوة وسيطة، تعمل على احتواء الصراعات لا توسيعها، وعلى بناء الأمن الإقليمى الجماعى لا تكريس الانقسامات والمحاور. ففى هذا الدور تكمن مصلحة مصر، وفيه أيضًا تكمن مصلحة الشرق الأوسط بأسره.


فالدول الوازنة لا تقاس فقط بقدرتها على خوض الحروب، وإنما أيضًا بقدرتها على منعها، ومصر تظل فى أمسّ الحاجة اليوم إلى ممارسة هذا النوع من القوة؛ قوة الردع حين يقتضى الأمر، وقوة الدبلوماسية حين يصبح السلام هو المصلحة الوطنية والإقليمية الأسمى.


أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved