أربع ندوات وهدفان

محمد زهران
محمد زهران

آخر تحديث: الجمعة 31 يوليه 2026 - 7:55 م بتوقيت القاهرة

ما أهم الأهداف التى يجب أن نضعها نصب أعيننا لنستعد لمستقبل تتحكم فيه التكنولوجيا؟
ما علاقة الندوات التى شرفت بالاشتراك فيها بهذه الأهداف؟
ما علاقة العامل البشرى بالعامل التكنولوجى؟


منذ أيام قليلة انتهى معرض كتاب مكتبة الإسكندرية، لقد كان عرسا ثقافيا دسما من حيث العدد الكبير للندوات وتنوعها وتكاملها، وأحب أن أشكر المنظمين على هذا الحدث الثقافى الجميل. كان لى شرف المشاركة فى أربع ندوات، قد تبدو الندوات الأربع مختلفة من حيث المحتوى، لكن سنرى أنهم يلتقوا حول هدفين، وهذا موضوع مقالنا هذا الأسبوع.
• • •


أربع ندوات


الندوة الأولى تسمى «المقرأ خانة»، وهى ندوة تقام يوميا فى كل أيام المعرض، وفى كل ندوة تتم مناقشة كتاب معين، يشترك أغلب الحضور فى مناقشة الكتاب سواء عن طريق قراءة مقطع ثم التعليق عليه، أو طرح أسئلة، أو الإجابة عن أسئلة، يتم ذلك تحت إدارة أحد كبار المثقفين. الندوة التى شاركت فيها كانت عن كتاب «تاريخ العلم ودور العلماء العرب فى تقدمه» من تأليف الدكتور عبدالحليم منتصر العالم العظيم الذى تكلمنا عنه فى مقال منفصل منذ حوالى عقد من الزمان فى هذا المكان (بتاريخ 4 فبراير2018) فى مقال بعنوان «الدكتور عبدالحليم منتصر... أوجه عدة للموهبة والإسهامات». كان دورى فى هذه الندوة هو إعطاء نبذة عن حياة الدكتور منتصر وشخصيته وإنجازاته. هذا الكتاب تم تأليفه منذ أكثر من نصف قرن ويمتاز بلغة بليغة لكن فى نفس الوقت سهلة، والكتاب يصف إنجازات العلماء العرب بدقة من درس الأمر بعمق بحيث يعطى الحقائق دون مبالغة ودون تهوين. المشاركون فى تلك الندوة كان أغلبهم فى المرحلة الجامعية أو أكبر قليلا وهذا شىء يدعو إلى التفاؤل بهذا الجيل المهتم بكتاب هذا موضوعه.


الندوة الثانية متعلقة أيضا بجمهور صغير السن، هى ندوة لتكريم شباب من المرحلة الثانوية فاز بجواز محلية ودولية فى المجالات العلمية والهندسية، الجوائز كانت عن مشاريع تقدموا بها فى مجالات عدة فهناك مشروعات فى المجالات الهندسية والطبية وفى علوم الكمبيوتر إلخ، كانت مهمتى إعطاء كلمة لهؤلاء الشباب لتهنئتهم وتشجيعهم، وحيث إننى أعرف أن الجيل الجديد لا يتقبل النصيحة المباشرة وإن تقبلها ففقط من باب المجاملة فقد ابتعدت عن هذا وتكلمت عن بعض الفصول من حياتى العملية وكيف أثرت على طريقة عملى وتفكيرى، تكلمت عن الفشل أكثر مما تكلمت عن النجاح، أولا لأن الفشل جزء من الرحلة، وثانيا لأن الشباب يملون ولا يصدقون من يقدم نفسه على أنه العالم العظيم الذى لا يخطئ ولا يفشل، وطلبت من هؤلاء الشباب أن يستعملوا التفكير النقدى فى كل ما يقال لهم، حتى لو كان القائل من كبار العلماء.


الندوة الثالثة كانت عن اللغة العربية والذكاء الاصطناعى، ودورى فى هذه الندوة هو إدارتها، المتحدثون كانوا ثلاثة من كبار الباحثين فى مجال الذكاء الاصطناعى واللغويات على المستوى الدولى، يمكننا تلخيص النقاط التى أثيرت فى تلك الندوة فى النقاط التالية:


• برمجيات الذكاء الاصطناعى المتعلقة بتعليم الآلة (machine learning) تحتاج محتوى كى تتعلم منه، المحتوى العربى على الانترنت أقل من لغات مثل الإنجليزية من حيث الكم والجودة، وهذا يجعل برمجيات مثل برمجيات المحادثة أقل كفاءة فيما يتعلق باللغة العربية.


• لا نستطيع أن نقول إن اللغة العربية أصعب من مثيلاتها فيما يتعلق ببرمجيات الذكاء الاصطناعى، لأن لكل لغة صعوبتها وتحدياتها التى تختلف من لغة إلى أخرى.


• هناك فرق بحثية تقوم الآن بأبحاث تتعلق بتعليم الآلة ليس فقط التحدث بلغة معينة، بل ومعرفة العبارات الشعبية المتعلقة بثقافة شعب، مثلا حين نقول عبارة مثل «دماغه دى سم» فإن البرمجيات لن تفهمها بالمعنى الحرفى لكن بمعنى «أنه ذكى ويستخدم ذكاءه فى المؤامرات».


أما الندوة الرابعة وكنت متحدثا رئيسا فيها فكانت تتحدث عن اقتصاديات الذكاء الاصطناعى وكيف أنه سلاح ذو حدين، حد يؤدى إلى زيادة الإنتاج وتحسين الجودة وتقليل النفقات، وحد يؤدى إلى فقدان الوظائف واستهلاك مهول للطاقة وضرر للبيئة، ثم تحدثنا عن بعض الوسائل لتقليل الأضرار وزيادة النفع.


نأتى إلى سؤال قد يبدو صعبا: ما الأهداف المشتركة بين تلك الندوات الأربع؟


• • •


الهدفان وعلاقتهما بالندوات


قد تبدو موضوعات تلك الندوات مختلفة إلى حد كبير اللهم إلا ندوتى الذكاء الاصطناعى، لكن إذا تأملنا تلك الندوات سنجدها تتعلق بهدفين: الشباب والتكنولوجيا، أى تنشئة شباب محب للعلم والتكنولوجيا، والمشاركة فى التقدم العلمى والتكنولوجى فى العالم، الهدفان يلتقيان فى نقطة واحدة: المستقبل.


إذا أردنا أن يكون لنا موطئ قدم ووزن يحسب له الجميع ألف حساب فى المستقبل فيجب أن نمتلك التكنولوجيا، والامتلاك لا يعنى الشراء الذى يجعلك تحت رحمة البائع الذى يتحكم فى السعر والصيانة إلخ وقد لا يعطيك أفضل تكنولوجيا عنده، امتلاك التكنولوجيا يعنى الابتكار والتصنيع والتطوير، ولن يقوم بهذا إلا الشباب.


كى يقوم بهذه المهمة فعلى الشباب أن يمتلك صفتين: أن يحب العلم والتكنولوجيا، وأن يتابع آخر ما وصلا إليه ويحاول الابتكار والإبداع فيهما. تحقيق هذه الأهداف يستلزم عدة خطوات:


• يجب على الشباب دراسة تاريخ العلوم ومعرفة كيف تحدث الاكتشافات العلمية والابتكارات التكنولوجية، وهذا ما ناقشته الندوة الأولى.


• تشجيع الشباب على التعلم والابتكار فى العلم والتكنولوجيا ومنافسة الغير فى هذا المضمار، وهذا ما رأينا مثالا جميلا له فى الندوة الثانية.


• معرفة المشكلات التكنولوجية والعلمية التى تواجهنا ودراستها دراسة متأنية ثم محاولة حلها، وقد رأينا مثالا لهذا فى ندوة اللغة العربية والذكاء الاصطناعى.


• لاستخدام أية تكنولوجيا أو كشف علمى يجب دراسة ليس فقط الفوائد لكن أيضا الأضرار المترتبة على هذا الكشف العلمى أو التقدم التكنولوجيا، وهذا ما قمنا به فى الندوة الرابعة المتعلقة باقتصاديات الذكاء الاصطناعى.
إذا نستطيع أن نقول إن الندوات الأربع تلتقى فى هدفين هما الاهتمام بالشباب والاهتمام بالتكنولوجيا، وهذان الهدفان يمثلان رؤية مهمة لمستقبل مشرق لأية دولة.


• • •


المستقبل كله فى يد من يهتم بالشباب وبالتكنولوجيا معا وليس أحدهما، التكنولوجيا دون شباب متعلم معناها أننا نشتريها من الخارج وبالتالى نظل تحت رحمة البائع، والشباب دون التكنولوجيا ضعيف. التكنولوجيا تأتى من العلم، والتعليم هو الطريق الأمثل لإيصال العلم والتكنولوجيا للشباب.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved