وداعا للشرق الأوسط.. أهلا بالشرق الأدنى

طارق فريد زيدان
طارق فريد زيدان

آخر تحديث: الجمعة 31 يوليه 2026 - 9:23 م بتوقيت القاهرة

فى يوليو 2006 وبينما كانت الحرب الإسرائيلية على لبنان فى أوجها أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس أن ما تشهده المنطقة ليس سوى «مخاض ولادة شرق أوسط جديد». يومها انصب النقاش على شكل هذا الشرق الأوسط الجديد. لم يتوقف أحد عند احتمال أن يكون ذلك الإعلان إيذانًا بانتهاء صلاحية مفهوم الشرق الأوسط نفسه.


بعد نحو عقدين من ذلك التصريح لا تبدو المنطقة وكأنها تتجه فعلا نحو «شرق أوسط جديد» بقدر ما تشهد انهيار الإطار الجيوسياسى الذى حكمها طوال قرن كامل. فالتحولات السريعة التى تشهدها المنطقة تدفع إلى إعادة النظر فى المفاهيم التى نقرأ بها الواقع. وربما إلى استعادة مفهوم أقدم هو «الشرق الأدنى» أو إلى الإقرار بأننا أمام ولادة مفهوم جيوسياسى جديد يعكس خرائط النفوذ الإقليمى التى تتشكل اليوم.


ليست الأسماء فى الجغرافيا السياسية مجرد مصطلحات أكاديمية باردة فى الكتب والمراجع. هى انعكاس لموازين القوى التى تنتجها الحروب وتكرسها الاتفاقيات وتحميها المصالح والإمبراطوريات، وحين تتبدل الخرائط تتبدل اللغة التى نصف بها العالم.


تتسارع الأحداث فى كل من سوريا ولبنان والعراق. عودة تركية واسعة إلى المجال العربى من بوابة بلاد الشام. احتدام التنافس على المضائق البحرية والممرات التجارية. صعود لافت للانتباه للهضبة الإيرانية كلاعب جيوسياسى مستقل بالرغم من الحرب بين إيران والولايات المتحدة لم تطوِ آخر فصولها. جميعها مؤشرات تدفع إلى مراجعة المفاهيم التى حكمت قراءة المنطقة طوال القرن الماضى.


• • •
لم يعد السؤال: كيف يتغير الشرق الأوسط؟ بل أصبح: هل انتهى عصر الشرق الأوسط الذى عرفناه لنعود إلى مفهوم أقدم هو «الشرق الأدنى»؟ أم أننا أمام ولادة مفهوم جيوسياسى جديد يعكس نظاما إقليميا مختلفا؟


من أجل محاولة فهم هذه اللحظة لا بد أولا من العودة إلى التاريخ. لأن المفاهيم السياسية لا تولد صدفة، بل تولد عندما تحتاج القوى الكبرى إلى وصف المجال الذى تدير فيه مصالحها.


ظهر مصطلح «الشرق الأدنى» فى الأدبيات الأوروبية خلال القرن التاسع عشر. تحديدا فى أرشيف الدبلوماسية البريطانية والفرنسية لوصف الأراضى التابعة للدولة العثمانية والقريبة من أوروبا. كان يشير بالأساس إلى دول البلقان والأناضول وبلاد الشام ومصر وأحيانا العراق. وارتبط بما عُرف بـ«المسألة الشرقية»، أى مستقبل الدولة العثمانية وتقاسم إرثها بين الإمبراطوريات الأوروبية. كان الشرق الأدنى فضاءً عثمانيا بامتياز. تدور فيه المنافسة بين لندن وباريس وسانت بطرسبرج وبرلين. وكانت تُقرأ المساحة كوحدة سياسية متصلة مركزها إسطنبول وتتحكم بها الجغرافيا الأناضولية أكثر من العواصم العربية.


فى مطلع القرن العشرين بدأ يظهر مصطلح الشرق الأوسط. يُنسب أول استخدام سياسى واسع له إلى الضابط والمنظّر البحرى الأمريكى ألفريد ثاير مهان عام 1902 حين تحدث عن المنطقة الممتدة بين الهند والخليج كعقدة استراتيجية لحماية طرق التجارة البريطانية نحو آسيا. تبنت بريطانيا هذا المفهوم. ثم أصبح بعد الحرب العالمية الثانية مصطلحا رسميا فى أدبيات دول عديدة.


ومع انهيار الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى وتوقيع اتفاقية سايكس - بيكو وقيام نظام الانتداب (الإنجليزى والفرنسى فى منطقتنا)، ثم قيام الدول الوطنية العربية أصبح «الشرق الأوسط» هو الإطار السياسى الجديد الذى ثبتته نتائج الحرب العالمية الثانية. لم يكن التغيير لغويا فحسب. بل كان إعلانا عن انتقال مركز الثقل من إسطنبول إلى منظومة جديدة رسمتها القوى المنتصرة وأنتجت حدودا ودولا وهويات سياسية ومصالح اقتصادية ما زال بعضها قائما حتى اليوم. هذه المنظومة التى استمرت قرابة قرن من الزمن، تبدو اليوم وكأنها تدخل مرحلتها الأخيرة. فـ«الشرق الأوسط» الذى تشكل بعد عام 1918 قام على افتراضات وجود دول قومية مستقرة وحدود ثابتة ومراكز قوة معروفة فى بلاد الشام والعراق تحديدا.. إلا أن معظم هذه الافتراضات تعرضت للاهتزاز فى أعقاب الغزو العراقى للكويت.


فى سوريا لم يعد الصراع مجرد حرب أهلية. أصبحت ساحة للنفوذ التركى والأمريكى والإيرانى والروسى والإسرائيلى. فى لبنان تحولت الأزمة من إعادة الاندماج فى العالم العربى إلى أزمة موقع داخل شبكة إقليمية جديدة عنوانها الطاقة.. أما العراق فأصبح نقطة التقاء بين المشروعين الإيرانى والأمريكى. ساحات تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومى والموارد والجغرافيا والديموغرافيا..


فى هذا السياق يعود مفهوم الشرق الأدنى إلى الواجهة. لذا، يتطلب فهم التحولات فى سوريا ولبنان والعراق النظر شمالا إلى أنقرة حيث تتحرك تركيا اليوم باعتبارها وريثة جغرافيا كانت حتى عام 1918 تشكل المركز السياسى والإدارى للمنطقة. سياساتها فى شمال سوريا وحضورها فى العراق واهتمامها بشرق المتوسط تعكس رؤية تتجاوز حدود الجمهورية التركية نحو المجال الذى كان يُعرف بالشرق الأدنى. يمكن تتبع تحركات السفير الأمريكى فى أنقرة توم براك. هذا المطور العقارى ما انفك عن الدعوة إلى عصر جديد يعيد لم شمل الشرق الأدنى من بوابة تركيا الأطلسية. لا يعنى ذلك إعادة إنتاج الدولة العثمانية. بل إن الجغرافيا التى صنعت النفوذ العثمانى لم تختف. هى بقيت تفرض نفسها على حسابات الأمن القومى التركى مهما تغيرت السياسات. تتناغم رؤية براك مع حاجة تركيا ودول الخليج العربى إلى تقديم نموذج اقتصادى وسياسى عراقى وسورى ولبنانى يُحرر هذا المثلث من النفوذ الإيرانى أولا ومن التمدد الإسرائيلى ثانيا..


فى الوقت نفسه، يُدرك الخليج العربى أن من يُسيطر على الهضبة الإيرانية يمتلك إشرافا طبيعيا على الخليج ومضيق هرمز. فقد ظل الموقع الإيرانى عاملا ثابتا فى معادلات القوة. بغض النظر عن طبيعة النظام السياسى فى طهران. إعادة رسم النفوذ فى الخليج ترتبط بموقع إيران داخل النظام الإقليمى الجديد. كما أن إعادة ترتيب بلاد الشام ترتبط بموقع تركيا. وهو ما يعيدنا إلى منطق «الشرق الأدنى» عندما كانت الهضبة الأناضولية والهضبة الإيرانية محورين رئيسيين فى التحكم بديناميات المنطقة.


• • •
الخطأ الأكبر اليوم هو الإصرار على قراءة التحولات الجديدة بأدوات فكرية صيغت قبل قرن من الزمن. فكما انتهى مفهوم «الشرق الأدنى» مع انهيار الدولة العثمانية، قد يكون مفهوم الشرق الأوسط الذى ولد مع سايكس - بيكو يقترب من نهايته. إسرائيل أصبحت لاعبا بنيويا. دول الخليج صارت مراكز مالية وتقنية تحتل موقعا متقدما عالميا. إيران اكتسبت أدوات نفوذ عابرة للحدود. تركيا أعادت تعريف دورها. والقوى الدولية تتعامل مع المنطقة كعقدة للممرات الاقتصادية وسلاسل الإمداد والطاقة لا كساحة صراع عسكرى فقط.


قد لا يكون العالم أمام عودة حتمية إلى «الشرق الأدنى». ربما نحن أمام ولادة مفهوم جيوسياسى ثالث لم تتبلور ملامحه بعد. مفهوم يقوم على شبكة من الممرات البحرية والبرية وسلاسل التوريد والطاقة والذكاء الاصطناعى وخرائط الدرونات (نسبة الى الدرون) وليس فقط على الحدود التقليدية. حين يكتمل هذا التحول قد يدرك المؤرخون أن ما يحدث اليوم أقرب ما يكون إلى لحظة انتقال تاريخية تشبه ما أعقب انهيار الدولة العثمانية قبل أكثر من قرن. فالخرائط لا تتغير فجأة. تبدأ بتغير اللغة التى نصف بها العالم، ثم تتبعها السياسة، ثم تلحق بها الجغرافيا.


كاتب سعودى

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved