تجمع بريكس.. نحو هندسة مالية عالمية جديدة

مدحت نافع
مدحت نافع

آخر تحديث: الإثنين 31 أغسطس 2026 - 6:35 م بتوقيت القاهرة

دعوة كريمة من سفير الهند بالقاهرة والمجلس الهندى للشئون العالمية، شاركت فى مؤتمر «الشراكة الهندية المصرية فى بريكس»، الذى انعقد بالقاهرة فى 16 أغسطس الماضى، قبيل قمة بريكس تحت الرئاسة الهندية. وجاءت مشاركتى فى جلسة «تمويل التنمية والتجارة والاستثمار»، التى ترأسها السفير د. دامو رافى، المبعوث السابق لبريكس ونائب وزير الخارجية الهندى السابق، وشارك فيها إلى جانبى د. محمد فؤاد ود. منجى بدر. وقد تناول النقاش آفاق التعاون المصرى الهندى، ودور بريكس فى إعادة تشكيل خريطة التمويل والتجارة والاستثمار، فى ظل التحولات المتسارعة التى يشهدها الاقتصاد العالمى.


وقد افتتحت مداخلتى فى المؤتمر متسائلًا: هل نريد أن يتغيّر العالم هذه المرة أيضًا ونحن نشاهد «بريتون وودز» جديدة تتشكّل دون مشاركتنا؟! فالسؤال لم يعد ما إذا كان النظام الاقتصادى العالمى يتغير، فهذا من المسلّمات، وإنما إلى أى مدى يمكن للدول الصاعدة أن تكون شريكًا فى صياغة هذا التغيير لا مجرد متلقٍ لنتائجه. فالعالم الذى عرفناه خلال العقود الماضية قام إلى حد كبير على مركزية مؤسسات مالية وعملات ونظم تسوية نشأت فى سياق تاريخى مختلف تمامًا. ومع انتقال الثقل الاقتصادى تدريجيًا نحو آسيا والأسواق الناشئة، وتزايد التوترات الجيوسياسية، واستخدام الأدوات المالية والتجارية بصورة متزايدة فى الصراعات الدولية، يصبح البحث عن قدر أكبر من التنوع والمرونة فى النظام المالى العالمى أمرًا يتجاوز الاعتبارات السياسية ليصبح ضرورة اقتصادية.


• • •
من هذه الزاوية تكتسب الشراكة المصرية الهندية أهمية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية. فمصر عضو فى بريكس بلس، والهند تتولى رئاسة المجموعة فى عام 2026، وقد وضعت الرئاسة الهندية عنوانًا طموحًا هو «بناء المرونة والابتكار والتعاون والاستدامة». ويعكس هذا العنوان إدراكًا بأن التحديات التى تواجه الاقتصادات الناشئة لم تعد منفصلة عن بعضها البعض؛ فاضطراب التجارة يؤثر فى التضخم، وأسعار الطاقة تؤثر فى الموازنات، ونقص التمويل يعوق الاستثمار، والتراجع التكنولوجى يوسّع فجوة الإنتاجية. ومن ثم فإن بناء المرونة الاقتصادية لا يمكن أن تحققه أداة واحدة، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة من التمويل والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا.


وتأتى قضية تمويل التنمية فى مقدمة هذه المنظومة. فالدول النامية والناشئة تحتاج إلى استثمارات ضخمة فى البنية الأساسية والطاقة والتحول الأخضر والبنية الرقمية، فى الوقت الذى تواجه فيه ارتفاعًا فى تكلفة الاقتراض وضغوطًا متزايدة على الموازنات العامة وخدمة الدين. والمشكلة ليست دائمًا فى غياب المشروعات القابلة للتمويل، وإنما فى ارتفاع تكلفة رأس المال وتفاوت القدرة على الوصول إليه. ولذلك تكتسب المؤسسات التمويلية البديلة أهمية متزايدة، وفى مقدمتها «بنك التنمية الجديد» التابع لتجمّع بريكس، الذى يمكن أن يمثّل أحد مكونات شبكة أوسع للتمويل التنموى، وليس مجرد مؤسسة تمويل إضافية.


المطلوب هنا ليس استبدال مؤسسة بأخرى، ولا بناء نظام مغلق فى مواجهة المؤسسات المالية الدولية القائمة، وإنما خلق قدر أكبر من التعددية والتنافس فى بيئة مصادر التمويل، بما يمنح الدول النامية خيارات أوسع ويتيح توجيه رأس المال نحو المشروعات ذات العائد التنموى الحقيقى. والأهم أن يجرى تطوير أدوات تمويل لا تزيد أعباء الموازنات العامة، وإنما تساعد على جذب الاستثمار الخاص وتحفيز الاستثمار الأجنبى المباشر وتقاسم المخاطر بين الدولة والمستثمر والمؤسسات التمويلية.


وهنا تلتقى المصالح المصرية والهندية بصورة واضحة. فالهند تمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية واسعة وخبرة متراكمة فى الابتكار والتحول الرقمى، بينما تتمتع مصر بموقع جغرافى فريد وبنية أساسية متنامية، فضلًا عن كونها نقطة اتصال بين أسواق إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا. ويمكن لهذا التكامل أن يتحول من مجرد ميزة نظرية إلى مشروعات فعلية فى الطاقة المتجددة، والبنية الأساسية، والتصنيع، والخدمات اللوجستية، والبنية الرقمية، شريطة أن تتوافر لها نماذج تمويلية قابلة للاستدامة.


• • •
أما التجارة، فهى ربما المجال الأكثر مباشرة لاختبار قدرة بريكس على الانتقال من الشعارات إلى الأدوات. فالتجارة بين مصر والهند قطعت شوطًا مهمًا، لكن حجم الإمكانات المتاحة لا يزال أكبر بكثير من حجم التجارة الراهن. ولا يتعلق الأمر فقط بزيادة الصادرات والواردات، وإنما بإعادة بناء سلاسل القيمة بحيث يصبح البلدان شريكين فى الإنتاج وليس مجرد طرفين فى عملية تبادل للسلع.


ويكتسب هذا الهدف أهمية خاصة فى ظل ما يمكن وصفه بتزايد «تسليح المال»، أى تحول بعض الأدوات المالية ونظم المدفوعات والعملات الدولية من مجرد آليات اقتصادية إلى أدوات يمكن استخدامها فى الصراعات والضغوط الجيوسياسية. وقد كشفت السنوات الأخيرة أن الاعتماد المفرط على عملة واحدة أو نظام تسوية واحد يمكن أن يتحول، فى أوقات الأزمات، إلى مصدر إضافى للهشاشة الاقتصادية. ومن هنا تأتى أهمية تطوير بدائل لا تستهدف إقصاء الدولار، بقدر ما تستهدف تقليل الاعتماد القسرى عليه.


وتبرز تسوية التجارة بالعملات المحلية باعتبارها إحدى الأدوات التى تستحق دراسة أكثر جدية. فإتاحة التسوية بالجنيه المصرى والروبية الهندية، أو استخدام ترتيبات متعددة الأطراف تشمل عملات دول بريكس، يمكن أن يخفض الحاجة إلى المرور بالدولار فى بعض المعاملات، ويقلل تكاليف التحويل، ويمنح الشركات مساحة أكبر للتجارة والاستثمار. لكن نجاح هذه الآلية يتطلب أكثر من مجرد اتفاق سياسى؛ إذ يحتاج إلى أسواق صرف عميقة، وآليات للتحوط من مخاطر العملة، وتوازن نسبى فى التدفقات التجارية والاستثمارية، وإطار مصرفى قادر على إدارة المقاصة والتسوية بكفاءة.


من هنا فإن الحديث عن العملات المحلية يجب ألا يتحول إلى شعار سياسى. العملة التى تصبح أداة تسوية دولية لا تكتسب هذه الوظيفة بقرار إدارى، وإنما نتيجة الثقة والسيولة وعمق الأسواق وقابلية التحويل واستقرار السياسات الاقتصادية. ولذلك فإن الطريق الواقعى إلى نظام نقدى أكثر تعددية يمر أولًا عبر بناء مؤسسات وأسواق قادرة على دعم هذه التعددية.


• • •
وفى هذا السياق تبدو مصر والهند أمام فرصة مهمة لربط إمكاناتهما التجارية بالممرات الاستراتيجية الجديدة. فمصر تمتلك قناة السويس، التى تمثل أحد أهم ممرات التجارة العالمية، بينما تنخرط الهند فى مشروعات وممرات تجارية تعيد رسم خريطة حركة السلع والاستثمارات، ومن بينها ممر الهند ــ الشرق الأوسط ــ أوروبا. ويمكن للتكامل بين الموقع المصرى والقدرات الهندية أن يخلق قيمة تتجاوز مجرد حركة البضائع، لتشمل الخدمات اللوجستية والتصنيع وإعادة التصدير وربط الأسواق.


لكن التجارة وحدها لن تكون كافية؛ فالقيمة الحقيقية للشراكة المصرية الهندية تكمن فى تحويل التجارة إلى منصة للاستثمار الصناعى ونقل التكنولوجيا. فالهند تمتلك خبرات متقدمة فى تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات والصناعات الدوائية والمركبات الكهربائية والطاقة الشمسية، بينما تمتلك مصر مقومات تؤهلها لتكون مركزًا للإنتاج والتصدير إلى الأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية. والمطلوب هو الانتقال من نموذج «التجارة بين البلدين« إلى نموذج «الإنتاج المشترك من أجل أسواق أوسع».


وهنا تبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وغيرها من المناطق الصناعية المصرية كأدوات مهمة لجذب الاستثمارات الهندية، ليس لخدمة السوق المصرية فقط، بل أيضًا باعتبار مصر منصة للتصدير إلى إفريقيا وغيرها من الأسواق المرتبطة باتفاقيات التجارة الحرة.

وفى المقابل، يمكن لمصر الاستفادة من الخبرة الهندية فى الشركات الناشئة والتحول الرقمى والخدمات التكنولوجية وتطوير المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يعزز الإنتاجية إلى جانب الاستثمار. ولا يمكن فصل ذلك عن التكنولوجيا، التى أصبحت جزءًا من الأمن الاقتصادى للدول. وقد كان لافتًا تخصيص المؤتمر جلسة مستقلة للتكنولوجيا والابتكار، تناولت البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعى ومنظومات الشركات الناشئة وفرص تعميق الشراكة الرقمية بين مصر والهند.


ومع ذلك، فإن كل هذه الفرص ستظل محدودة إذا لم تُدعَم بسياسات اقتصادية كلية أكثر تنسيقًا. فالتضخم المستورد، وتقلب أسعار الطاقة والسلع، وتغيرات أسعار الصرف، وتدفقات رءوس الأموال قصيرة الأجل، كلها تحديات لا يمكن لأى دولة أن تواجهها بمعزل كامل عن محيطها. ولذلك فإن التعاون بين دول بريكس ينبغى أن يتطور تدريجيًا من تبادل المواقف إلى تبادل الخبرات والبيانات وبناء آليات للتنسيق فى مجالات السياسات الاحترازية وإدارة الاحتياطيات ومخاطر الأسواق.


• • •
وأظن أن الفاعل الأكثر أهمية فى هذه المرحلة ليس الحكومات والبنوك والمؤسسات التمويلية، بل عساه يكون الجامعات ومراكز البحوث ومؤسسات الفكر الاقتصادى. فإعادة هندسة النظام الاقتصادى العالمى ليست عملية مالية بحتة، وإنما هى فى جوهرها عملية معرفية ومؤسسية. «بريكس» ليس مشروعًا لإلغاء النظام القائم بقدر ما يمكن أن يكون أحد محركات تطوره. العالم لا يحتاج إلى مركزية جديدة تحل محل المركزية القديمة، وإنما يحتاج إلى تعددية اقتصادية أكثر توازنًا، ومؤسسات أكثر تمثيلًا، وأسواق تمويل أوسع، وقنوات تجارة أكثر تنوعًا. ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن أن تتحول الشراكة المصرية الهندية من علاقة ثنائية ناجحة إلى مساهمة حقيقية فى صياغة مستقبل الجنوب العالمى.


كاتب ومحلل اقتصادى

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved