الضفة الغربية ستحدد مصيرنا

من الصحافة الإسرائيلية
من الصحافة الإسرائيلية

آخر تحديث: الإثنين 31 أغسطس 2026 - 6:35 م بتوقيت القاهرة

إن الموقف من القضية الفلسطينية يُستخدم كاختبار حاسم لتشخيص التغيير الذى طرأ على المجتمع الإسرائيلى منذ السابع من أكتوبر. لقد طُبعت الصدمة القاسية فى الوعى الجماعى، وأصبحت العامل المركزى الذى يشكّل التفكير والعمل فى الدولة؛ فمن جهة، وُلدت من رحم هذه الصدمة مبادرات هجومية وإنجازات عسكرية، لكن من جهة أُخرى، بات التمسك الشديد بها، من دون معالجتها، أو إخضاعها للفحص والنقد، يعطّل التفكير النقدى والرؤية الرصينة للواقع. ويجرى تصنيف هذه الرؤية، كتعبير عن «سذاجة ما قبل السابع من أكتوبر»، بينما الدرس الذى يفرضه «الواقعيون ــ وهم أنفسهم الذين كانوا مسئولين عن صوغ الواقع قبل ثلاثة أعوام ــ يتمثل فى أنه يجب استخدام القوة فقط من الآن فصاعدًا، وأنه لا يهمّنا موقف العالم، وأننا لا نعتمد إلّا على أنفسنا، وأنه فى إمكاننا هندسة الواقع، وفقًا لإرادتنا.


• • •
بعد السابع من أكتوبر، لم يعُد الإسرائيلى العادى يريد رؤية العرب، ولا سماع اللغة العربية، ولا يثق بالعرب، ومن المؤكد أنه غير مستعد للحديث عن دولة فلسطينية. وفى ظل هذه الأجواء، يبرز توجّه شعبى واضح نحو اليمين، لكنه ليس توجّهًا نحو مواقف حزب الليكود القديم، ذلك الحزب الذى تبنّى اتفاق أوسلو وتحدّث عن حلّ الدولتين ــ بما فى ذلك بنيامين نتنياهو ــ بل نحو أحزاب تجسّد رؤيةً ذات طابع مسيانى أصبحت اليوم من نصيب اليمين بأكمله.


انقسم الجمهور فى الماضى، بصورة عامة، ما بين مؤيّدى إقامة دولة فلسطينية وبين معارضى الفكرة الذين اقترحوا حكمًا ذاتيًا، بدلًا منها، بينما كان المتطرفون، الذين دعوا إلى الضم الكامل، يقفون على الهامش. ومنذ السابع من أكتوبر، تحولت هذه الأفكار إلى التيار السائد وتم تطبيعها، بحيث أصبح الانقسام الحالى بين مؤيّدى «خطة الحسم»، التى طرحها سموتريتش فى سنة 2017، والتى تهدف إلى إقامة دولة واحدة تضم نوعين من المواطَنة، وبين مَن يصفون البدائل الأُخرى بأنها «أفكار رخوة ستقود إلى الخراب»، لا يوجد نقاش بشأن مسار بديل، واليمين هو الطرف الوحيد الذى يعتبر نفسه «مخوّلًا» تحديد ما إذا كان أى موقف آخر شرعيًا، أم لا. على هذه الخلفية، يسأل سموتريتش، الذى يصوغ فعليًا سياسة إسرائيل بشأن القضية الفلسطينية، ويقود نحو ضمّ الضفة الغربية حتى من دون إعلان رسمى: هل يؤيد رؤساء أحزاب المعارضة البناء فى المنطقة E1، الواقعة بين معاليه أدوميم والقدس، والذى يهدف إلى منع إقامة دولة فلسطينية مستقبلًا، أم لا؟ وهذا كله فى ظلّ ازدراء متكرر لمعارضة العالم بأسره لهذه الخطوة، بما فى ذلك معارضة واشنطن؛ أمّا أحزاب المعارضة، فتردّ بمزيج من الإحراج، وإخفاء مواقفها، وطرح مواقف غامضة، أو حتى تأييد مواقف الحكومة، مثلما حدث فى قضية المنطقة E1.


إن تكريس الخوف والعداء والأوهام يخلق حالة من الارتباك والعمى التى يسعى لها صنّاع القرار؛ فالإسرائيلى يعارض بشدة إقامة دولة فلسطينية، لكن من المشكوك فيه أنه يفكر، أو يشجّع على التفكير، فى البدائل ومغزى الدولة الواحدة، أو يدرك أن الأمر يتعلق بهدف إيمانى يعبّر عن قطاع معين ترافقه آمال بتطبيق أحكام الكتاب المقدس وإعادة بناء الهيكل، وهى آمال لا يتماهى معها سكان الدولة، فى أغلبيتهم. وفى الخلفية، تختبئ الحقيقة المستقبلية: انتقال العنف والفوضى، اللذين يميّزان الإقليم الواقع خارج حدود الدولة فى الضفة الغربية، إلى سائر أنحاء الدولة، وترسيخ كيان يقوم على التمييز، سينبذه العالم الذى لا يهمّ أنصار مقولة «شعب يعيش وحيدًا».


وهكذا، عشية الانتخابات، نشأ الوضع العبثى الذى أصبحت فيه شعارات «الترانسفير» والسيادة واقعية ومشروعة، بينما تُعتبر الدعوات إلى تسوية سياسية للقضية الفلسطينية ضربًا من الهذيان والتفريط. وفى الخلفية، يظهر توتّر واعٍ ومخطَّط له فى سلوك إسرائيل فى الضفة الغربية؛ فمن جهة، تعمل الحكومة على تأجيج الاضطرابات، ومن جهة أُخرى، تطلب إخمادها، ظاهريًا، أو الظهور بمظهر مَن يعمل على ذلك.


• • •
كثيرون فى القيادة «مذهولون» من تصاعُد العنف اليهودى فى الضفة الغربية ويدينونه، لكنهم فى الوقت نفسه، يشجعون إقامة المزارع والبؤر الاستيطانية، التى توصف بأنها «أصل استراتيجى»، والتى تفتقر أغلبيتها إلى أساس قانونى، ويدفعون نحو توسيع الاستيطان، وفى إطاره، سيُدمَج ثلاثة ملايين فلسطينى، بطبيعة الحال، من دون نقاش بشأن التداعيات، ومن دون التوضيح أنه يُتوقع أن تتغيّر إسرائيل بصورة جذرية، ولا سيما نحو الأسوأ.


وتتجسد «الشيزوفرانيا»، بين دور مُشعِل الحرائق ودور «رجل الإطفاء المذهول»، فى تصوير السلطة الفلسطينية على أنها تشكل تهديدًا قريبًا يجب مواجهته، أو حتى التسبب بانهيارها. ويرافق ذلك ازدياد التحذيرات، قبيل الانتخابات، من احتمال حدوث ثورة وشيكة.
وكالمعتاد، هذا كله من دون التوضيح أن التوتر فى الضفة الغربية هذه المرة ناجم، فى معظمه، عن خطوات إسرائيلية، ولا سيما تصاعُد عنف المستوطنين، وإلحاق الأذى المستمر بالسلطة الفلسطينية، والتآكل الإقليمى، وليس عن تصاعُد «الإرهاب الفلسطينى» الذى يتراجع فعليًا.


• • •
لم يفهم صنّاع القرار القضية الفلسطينية بعمق حتى السابع من أكتوبر، ويبدو كأنهم ما زالوا يعانون اليوم جرّاء تصورات خاطئة. لا يمكن الهروب من هذه القضية، ولا يمكن أيضًا «إدارتها». يجب إجراء نقاش واقعى وعاجل وصريح بشأنها، وقبل كل شىء، الاستعداد لاتخاذ قرارات حاسمة، ومن دون مثل هذه الخطوات، يزداد احتمال أن يفرض العالم تدويلًا للقضية، فى وقتٍ يرى هذا العالم، فى معظمه، أن إسرائيل فقدت القدرة على اتخاذ قرارات متّزنة.


توجد بدائل أُخرى يجب البحث فيها وتوضيحها بين خيار الدولة الواحدة وخيار الدولتين، ومن الواضح أن الجانب الفلسطينى غير ناضج لهذا الطرح للدفع به قدمًا فى الوقت الحالى. ومن بين هذه البدائل، على سبيل المثال، الانفصال المادى الواقعى، مع الحفاظ على المصالح الأمنية لإسرائيل، ولا سيما عبر السيطرة على غور الأردن والحفاظ على حرية العمل ضد التهديدات الموجودة فى الأراضى الفلسطينية.


تدور الانتخابات المصيرية بين الاندفاع نحو هاوية الدولة الواحدة، المشبع بنشوة من النوع الخلاصى الذى جلب الكوارث على اليهود على امتداد التاريخ، وبين الاستعداد لفحص البدائل الواقعية. وفى الوقت نفسه، من المهم مناقشة احتمال تأليف حكومة جديدة تعمل على الحدّ من «الثورة فى الضفة الغربية»، أو وقفها، ومن الضرورى التحذير من المشككين فى شرعية هذه الحكومة، الأمر الذى يمكن أن يؤدى إلى شرخ غير مسبوق، يتمثل فى مظاهر العصيان المدني، وحتى العنف، وهى الظواهر نفسها التى يهدف رمز «ألتالينا» إلى التحذير منها.

 

ميخائيل ميلشتاين
يديعوت أحرونوت
مؤسسة الدراسات الفلسطينية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved