السودان الذى نحتاجه

طلعت إسماعيل
طلعت إسماعيل

آخر تحديث: الإثنين 31 أغسطس 2026 - 6:25 م بتوقيت القاهرة

أنعش إلغاء لجنة أمن ولاية الخرطوم، قبل أيام، حظر التجول المفروض خلال ساعات الليل فى الولاية، والسماح للمواطنين السودانيين بالحركة والعمل والمرور على مدار اليوم، آمالا فى عودة الأوضاع إلى سابق عهدها قبل اندلاع الحرب فى أبريل 2023، بما رافقها من صراع وتشريد ونزوح وسقوط ضحايا أبرياء.


تخفيف القيود على المواطنين السودانيين فى العاصمة ومدنها الكبرى، جاء طبقا للتقارير الإخبارية والتصريحات الرسمية، بعد تحول كبير فى الوضع الميدانى داخل الخرطوم، ما سمح بتسلم رئيس مجلس السيادة السودانى عبد الفتاح البرهان فى القصر الرئاسى، أوراق اعتماد عدد من سفراء الدول العربية لدى السودان.


هذه التطورات التى تصب فى استقرار السودان الشقيق، تزامنت مع اتصال بين الدكتور بدر عبد العاطى وزير الخارجية مع نظيره السودانى، محيى الدين سالم، جدد خلاله  الوزير عبد العاطى التأكيد على «دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، وأهمية وجود عملية سياسية بملكية سودانية من دون تدخلات خارجية وبما يسهم فى إنهاء الأزمة واستعادة الأمن والاستقرار فى السودان».


الأمر نفسه أكده الوزير عبد العاطى  لكبير مستشارى الرئيس الأمريكى للشئون العربية والشرق الأوسط والمستشار رفيع المستوى للشئون الأفريقية، مسعد بولس. هذا الموقف المصرى الداعم للسودان قلبا وقالبا، لابد أن يكون له أسبابه، و يطرح سؤالا بشأن ما تريده مصر للسودان، أو بمعنى أدق ما هو السودان الذى تحتاجه مصر؟ أى النظر إلى الأزمة من زاوية المصلحة والأمن القومى المصرى، وليس من زاوية من ينتصر فى الحرب.. والسؤال أيضا ليس: من ينتصر فى الحرب؟ وإنما، أى سودان سيخرج من الحرب؟ وهل سيكون سودانا أكثر استقرارا أم أكثر هشاشة؟


ما يهم مصر ومصالحها هو الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، ورفض أى سيناريو للتقسيم أو إقامة كيانات موازية، فاستقرار السودان يعنى حدودا جنوبية لمصر أكثر أمنا، بينما تفكك الدولة السودانية يفتح الباب أمام تهريب السلاح والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والإرهاب والتدخلات الخارجية.


ثوابت الموقف المصرى  تبدو أكثر وضوحا إذا قرأناها باعتبارها تصورا لشكل السودان الذى تريده مصر فى نهاية الأزمة: دولة واحدة، ذات سيادة، ومؤسسات وطنية قادرة على أداء وظائفها، وحل سياسى يملكه السودانيون ويقودونه، ورفض أى محاولات لتقويض تماسكه الداخلى.


ومن وجهة نظر مصرية أيضا، لا يمكن فصل أمن واستقرار السودان عن الأمن القومى المصرى، وفى الحقيقة لا تقف المصلحة المصرية عند حدود الأمن، فالسودان يمثل امتدادا طبيعيا لمصر فى القارة، ويتصل بملفات شديدة الحساسية مثل مياه النيل، وأمن الحدود، وحركة التجارة، وأمن البحر الأحمر، واستقرار القرن الأفريقى.


 ولذلك فإن السودان المستقر ليس مجرد جار آمن، بل عنصر فى بيئة إقليمية أكثر اتزانا يمكن لمصر أن تتحرك داخلها بثقة خاصة فى القارة الإفريقى.


ومن هنا تأتى أهمية إصرار مصر على أن يكون الحل «بملكية سودانية»، فالمطلوب، وفق الرؤية المصرية، ليس استبدال طرف سودانى بآخر عبر ترتيبات خارجية، وإنما الوصول إلى تسوية سياسية جامعة تحفظ الدولة وتفتح الطريق أمام مرحلة جديدة. 


وفى المقابل، فإن بقاء السودان فى حالة إنهاك طويل يفتح الباب أمام أزمات متراكمة: نزوح مستمر، حدود تعمها الفوضى، اقتصاد متدهور يعتمد على الخارج، ومجال أوسع أمام الجماعات المسلحة، والميليشيات والتدخلات الأجنبية. 


ومن ثم فإن إنهاء الحرب من منظور مصرى ليس نهاية الهدف، بل بداية الاختبار الأصعب: هل تستطيع الدولة السودانية استعادة قدرتها على أداء وظائفها، وفرض القانون، وإطلاق عملية سياسية مقبولة، ثم الانتقال إلى إعادة البناء؟


مصر لا تتحدث عن وقف الحرب فقط، بل تربط الاستقرار بإعادة الإعمار والتعافى والتنمية.. فقد أكدت وزارة الخارجية استعداد مصر والشركات المصرية للمساهمة فى إعادة إعمار السودان بعد توقف الحرب، كما بحثت مع الجانب السودانى التعاون فى البنية التحتية والخدمات والتجارة والاستثمار.


من هنا تأتى أهمية الموقف المصرى الداعى إلى حل سودانى - سودانى، فالمطلوب ليس أن تفرض القوى الخارجية صيغة جاهزة على السودان، ولا أن تنتهى الحرب بتسوية مؤقتة تعيد توزيع النفوذ بين أطرافها، وإنما أن تنشأ عملية سياسية قادرة على إعادة بناء الدولة على أسس تخدم كل السودانيين فى سودان موحد.. وهذا هو شكل السودان الذى تحتاجه مصر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved