البحث عن على البدرى
محمود عبد الشكور
آخر تحديث:
السبت 31 أكتوبر 2026 - 7:20 م
بتوقيت القاهرة
أدهشتنى موهبة كاتب هذه المجموعة القصصية الفائزة بجائزة يحيى الطاهر عبدالله للعام 2025. مؤلفها لا يمتلك فحسب تكنيك وأدوات هذا الفن الصعب، ولكنه أيضًا يقدِّم ألوانًا من تلك الحكايات، التى يسهل أن ترى بينها خيطًا واحدًا، على تعدد شخصياتها وأجوائها، وإذا كانت «القصة القصيرة» هى فن الانطباع الواحد القوى والمؤثر، فإن هذه المجموعة تتكامل كل قصصها معًا فى تحقيق انطباعٍ قوى واحد ومؤثر.
المجموعة الصادرة عن دار المرايا من تأليف عبدالله محمد عبدالله، وعنوانها لافت وذكى وهو «البكاء بين يدى على البدرى»، ولا شك عندى أن هذا الكاتب يمتلك كل ما يؤهله للإضافة على عالم السرد عمومًا، ولتقديم تجارب مميزة شكلًا ومضمونًا.
توقفت عند عناصر إيجابية كثيرة، أولها أن قصص المجموعة لم تأتِ على لون واحد، بعضها ينتمى إلى بورتريه الشخصية، وبعضها يصف حالة أو حالات، وبعضها كلاسيكى يقودنا إلى لحظة «تنوير»، ولكننا فى كل قصص المجموعة أمام سرد متماسك، وقدرة فطرية على الحكى بلا استطراد أو تشتّت، فالكاتب يعرف دومًا كيف يبدأ؟ وكيف ينتهى؟
يمكننا، ثانيًا، أن نرى فى معظم الحكايات شخصيات هشة رومانسية تمتلك ذاكرة الماضى وتتمسك بها، وواقع جديد متغيّر بلا هوادة، ولكن الشخصيات تتمسك بالأمل، وتحاول أن تحافظ على بقائها، أو على الأقل تخترع أسبابًا للحياة وللاستمرار.
بدا لى أحيانًا أننا أمام بطلٍ واحد متعدد الوجوه، يصدمه واقع وتحولات قريته، القريبة من العاصمة، والتى تنتمى إلى القاهرة الكبرى، ولكنها على الهامش أيضًا، فإذا ذهب هذا البطل إلى الجامعة، لدراسة الاقتصاد أو الإعلام، اصطدمت رومانسيته وهشاشته الداخلية بواقعٍ جديد، قد يكون سببه التفاوت الطبقى، أو تلك المسافة بين المثال والصورة.
قد يجد البطل نفسه فى قلب أحداث سياسية كبرى كالثورة مثلًا، وهنا أيضًا تتسع الفجوة بين الحلم والحقيقة، بل ويتحول الحلم إلى كابوس لا هروب منه.
ينشأ الصراع، ثالثًا، فى هذه الحكايات، بسبب تلك التناقضات، يمسك بها الكاتب ببراعة فى كل مرة، ويضعنا على الحافة مباشرة، ثم يظهر أمل ما، يستعيد بعض التوازن.
تُسترجع تفاصيل الذاكرة بحيوية بالغة، وتتكرر ملامح أعمال فنية، أو برامج تليفزيونية فى الثمانينيات والتسعينيات، والسنوات الأولى من الألفية الجديدة، ليس فقط من باب الحنين، أو استحضار الماضى، ولكن أيضًا وبالأساس بمنطق التوظيف الفنى الممتاز للأمس الذى يقتحم الحاضر، ويصنع صراعًا وتوترًا، وبتنويعات شتى جيدة، وفى مكانها الصحيح.
يذكر الكاتب اسم «باسوس»، واسم «القناطر الخيرية»، وينحت شخصيات غريبة محلية تنتمى إلى مكانها وزمانها، ولكن الشخصيات تتجاوز ذلك لتصبح نماذج أدبية تمتلك نظرة بسيطة ساذجة تكتشف العالم، فى مقابل حياة معقدة صعبة وشائكة، يسهل أن نراها فى أماكن وأزمنة أخرى.
تسع قصص قصيرة تتكامل فى تحقيق أمرين: خلل فى التكيف حد إصابة بعض الشخصيات بالاكتئاب والمرض النفسى، ولحظة مواجهة حتمية لهذا الواقع رغم كل شىء، بل ومحاولة للبحث عن الأمل من ثقب الباب، وبكل الطرق الممكنة.
فى «أم هيثم»، صبى يلعب الكرة، يقوده الاكتشاف إلى امرأة أجهض حملها، بعد أن ضربها زوجها، وتتولّى التخلص من بقايا الجنين «أم هيثم» بائعة الفاكهة، حكاية صادمة تفتح عين الصبى مبكرًا على بشاعة العالم، وتستمر معه عندما يكبر، وعندما تتغير القرية جذريا.
فى قصة «خالى رضا الذى يشبه الأستاذ هيكل كثيرًا» مسافة هائلة بين محمد حسنين هيكل ابن القرية نفسها، وبين الخال الذى يقتات من فارق السعر بين الأدوية، لا يصبح ثريا، ولكنه يموت فقيرًا، تشابه فى الشكل، ومفارقة كاملة للأصل.
فى «البكاء بن يدى على البدرى»، وهى من أجمل قصص المجموعة، يبدو السارد أسير شخصية على البدرى فى «ليالى الحلمية»، ويربط ذكرياته عن الشخصية بحضور الأب المتوفى، يقرر السارد السفر إلى القاهرة لمنع ممدوح عبدالعليم من قبول بطولة جزء جديد من المسلسل، حتى لا يدمر الصورة القديمة، ولكن ممدوح نفسه يموت، فإذا أضفت إلى ذلك أن السارد يتعاطى أدوية نفسية، فإن عدم التكيف مع التغيرات يصل هنا إلى درجة بليغة حقا.
فى «إزاز فى إزاز» يتم سرد ما حدث ليلة جمعة الغضب، ثم السنوات التى تلتها من خلال شخصية هامشة تمامًا، وتتحول الأحلام إلى كوابيس، وفى «أمل على عجل»، يستمد السارد الأمل من شخصيتين عجيبتين: شاب كفيف يدرس الماجستير، وفتاة قعيدة تركب المترو، يراهما أكثر حرية وقوة مما حدث له من قتل للروح وللشغف وللحماس.
فى «إبرة فى كوم قش» تظهر نماذج إنسانية بائسة ضحية الظلم والفقر، ولكن الأصدقاء لا يترددون فى التبرع لمصابى غزة، أو زيارتهم فى المستشفى، وفى قصة «الله وحده يعلم» يتحوّل الماضى من جديد إلى قضبان يجب تكسيرها حتى تخرج الشخصية من السجن، وتظهر لحظة تنوير هى - فى جوهرها - لحظة تحرر بعد طول معاناة.
فى قصة «رسالة فى الـ others: عيد ميلاد سعيد يا نسمة» تتجلى من جديد المسافة بين رومانسية الريفى وواقعه، هذه المرة فى الحياة الجامعية، ومرة أخرى يصل عدم التكيف إلى التماس مساعدة الطبيب النفسى، والبحث عن وسيلة للفضفضة، رسالة إلى صديقة زمان، دون أى تأكد من وصول الرسالة.
وفى القصة الأخيرة «تيجن دبجن» تضفير بارع لغربة السجن، فى مقابل بهجة الذاكرة، ويحضر برنامج «من سيربح المليون؟» ليس من باب النوستالجيا، ولكن من باب استعادة الأمل، وتذكّر متسابقة سورية بعينها، تصبح هى الأمل والعزاء، لشاب سجن ظلمًا، ولم يعد يربطه بالعالم سوى اسم هذه المتسابقة.
لا يخرج الأمل بشكل مصطنع، ولكنه الوجه الآخر للحكايات، هو فقط يحتاج إلى من يبحث عنه، ويظل الصراع مستمرًا، والاختبار متجددًا. عبدالله محمد عبدالله موهبة كبيرة ستأخذ مكانتها المستحقة فى عالم السرد.