بسم الله إنها الظلمات
داليا شمس
آخر تحديث:
السبت 31 أكتوبر 2026 - 7:20 م
بتوقيت القاهرة
تجدون العنوان غريبا بعض الشىء.. هو ترجمة حرفية لبداية رسالة وصلت إلى الطلاب المحتجين فى فرنسا من خلال تطبيق «سناب شات» أراد صاحبها التسلل واختراق صفوفهم لجمع معلومات عن إغلاق المدارس والمظاهرات فبعث إليهم ببعض كلمات مكتوبة بفرنسية ركيكة ومصطنعة يحاول أن يحاكى فيها ما ظنه طريقة كلام الشباب من أصول مغاربية ومهاجرة، جاء فيها (Bismillah les ténèbres. Salut! Met moi dans le groupe blocus aichek!)، وعند جمع شقى الجملة يصبح المعنى عبثيا: «بسم الله إنها الظلمات. سلام. هل يمكن إضافتى إلى مجموعة الاحتجاجات.. يعيشك»، الإمضاء: مامادو. وقد افترض هذا الشخص أن المشاغبين قطعا من أبناء المهاجرين المسلمين، وحاول تقليد لغتهم اليومية وتعمد اقتراف أخطاء إملائية وإضافة أعلام الجزائر على الرسالة فصارت كوكتيلا مضحكا من التصورات النمطية، وعلى ما يبدو طلب مساعدة الذكاء الاصطناعى فى كتابتها فأثار محتواها شك وسخرية الطلاب وقرروا استخدامها ضمن شعاراتهم التى رفعوها على لافتات فى الشوارع وانتشرت كالنار فى الهشيم وانتقلت عبارة «بسم الله إنها الظلمات» إلى دول أوروبية مجاورة.
اختار هذا الشخص المجهول الذى يُرجح الطلاب انتماءه إلى عناصر الشرطة، بعد أن تتبع بعضهم رسائل وحسابات شبيهة واستنتجوا أنها انطلقت من مواقع قريبة من مراكز الشرطة، اختار لنفسه اسما من إفريقيا السوداء، ووضع إلى جانبه أعلام الجزائر، وختم بكلمة «يعيشك» التى تعنى باللهجة التونسية «أطال الله فى عمرك» وتفيد الطلب أو الشكر والامتنان بحسب السياق. وبالتالى افتضح أمره وجذبت عبثية العبارة الشباب حين وصلتهم فى أوائل شهر أكتوبر بالتزامن مع لجوئهم إلى «سناب شات» لتنسيق إغلاق مدارسهم بالحواجز اعتراضا على سوء أوضاع التعليم، ثم اتسعت المطالب ورقعة الاحتجاجات تدريجيا بانضمام النقابات وقوى سياسية واجتماعية مختلفة ما يهدد البلاد بإضراب شامل يوم الخامس من نوفمبر، يشبهه بعض المراقبين بثورة الشباب فى مايو 1968 التى انطلقت شرارتها الأولى من الجامعات اعتراضا على التعليم الهرمى ورفض التقاليد المحافظة والقيود الصارمة، ثم تحولت إلى إضراب عام شل الاقتصاد الفرنسى وقتها وضغط على حكومة شارل دى جول لتحقيق مطالب المتظاهرين.
• • •
الحركات الاجتماعية عادة ما تستدعى التاريخ. اللافتات والشعارات المرفوعة حاليا تستحضر روح مايو 68 وبعضها يحاول التركيز على الربط بين الحاضر وما حدث فى الماضى، فنجد مثلا شعارات تؤكد أن «أكتوبر 2026 هو امتداد لمايو 68» وأن «جيل زد» الذى نشأ فى ظل تطور الانترنت وعالم الشاشات والهواتف الذكية، وولد من منتصف التسعينيات إلى عام 2012، يسير على خطى من سبقوه فى الثورة على الأوضاع، مع وجود عدد من الاختلافات بالطبع ترتبط بالسياق العام والأوضاع السياسية والاقتصادية. لكن هذا لا يمنع أن نتابع تصريحات للمتحدثة الرسمية باسم اتحاد الطلاب فى فرنسا، صابرين خرباش، وهى طالبة ماجستير فى الأنثروبولوجيا الاجتماعية، تصف فيها الحراك الحالى بأنه «امتداد مباشر وتاريخى لإرث احتجاجات مايو 68» وتُذكر بأن التغييرات الكبرى والعدالة الاجتماعية فى فرنسا لم تتحقق إلا عبر الشارع وبضغط مباشر من حركة الشباب.
يفصل بين الحدثين حوالى ستين عاما، ففى الستينيات انتفض الطلاب ضد السياسات الإمبريالية وقيم الرأسمالية والمجتمع الاستهلاكى وأرادوا التمرد على العادات والتقاليد ورفعوا شعارات مثل «ممنوع المنع»، «رغباتكم أوامر»، «اللهو بلا حدود»، فى ظل وجود اقتصاد قوى وظروف تعليم مواتية تسمح بالصعود الاجتماعى، وهو ما ليس متاحا الآن على ما يبدو من اعتراضات الطلاب والنقاشات التى درات بينهم وبين المسئولين. شعارات مايو 68 كانت أكثر تفاؤلا، ترتبط بالحريات الشخصية والاجتماعية وترفض السلطوية والأبوية، أما الهتافات الحالية فهى أرض أرض، تنصب على الظروف المعيشية الصعبة والصحة والتعليم والصعوبات التى يواجهها الطلاب وافتقارهم لعدالة توزيع الموارد، هم ليسوا بصدد ثورة على القيم البالية كما فى السابق، لكن أمام محاولة للمحافظة على الحقوق المكتسبة عبر التاريخ وعلى المساواة بين الأفراد دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو الطبقة الاجتماعية. لذا يرفع الطلاب شعارات ساخرة مثل «بسم الله إنها الظلمات» أو «تيستى كروستى أنتى فاشيستى» مستخدمين اسم سلسلة من مطاعم شهيرة للدجاج المقرمش التى يتردد عليها «جيل زد» للتنديد بالعنصرية والفاشية التى تهدد النسيج الاجتماعى لبلد يضم ملايين المهاجرين. يرددون فى المظاهرات كلمات أغنية راب للفرنسية - المالية آيا ناكامورا أو يعزفون موسيقى «بدون عنوان» للدى جى الفيتنامى الأصل - نودى. يتجولون بملابس بات مان وسوبر مان، يرفعون أعلام فلسطين اعتراضا على الإبادة الجماعية فى غزة. يرون العالم يتهاوى من حولهم والظروف المناخية تزداد سوءا يوما بعد يوم والحروب تشتعل بلا داعٍ وتلتهم ميزانيات الدول ومواردها، وهم يتحملون تبعات كل ذلك ويحاولون الدفاع عن حقهم فى مستقبل أفضل باستخدام أدواتهم الخاصة.
• • •
يلجأون للذكاء الاصطناعى لكى يساعدهم فى وضع الشعارات، فى اختيار اللغة المناسبة للتعبير عن أفكارهم ومخاطبة الإعلام والوصول إلى أكبر قدر من الناس، لكن فى الوقت نفسه يواجهون استخدام ذات الأدوات ضدهم لتشويه صورتهم والمبالغة فى حجم الفوضى بواسطة الصور والفيديوهات المفبركة ومحاولات الاختراق والتسلل وشق الصف كما وضحنا من خلال قصة «بسم الله إنها الظلمات» حتى فى غياب أدلة ثابتة تدين الفاعل وتكشف عن هويته بوضوح. فى النهاية انتقلت الرسالة من الفضاء الخاص إلى الشارع، تم تبادل لقطات شاشة «السناب شات» بشكل واسع، وتجاوز صدى الشعار حدود فرنسا إذ تحول بسرعة إلى «مميز» مضحكة على الإنترنت، ورأينا لافتات تحمل العبارة نفسها فى تظاهرات ببلجيكا احتجاجا على خفض موازنة الحكومة، ثم استمر رفعها فى ألمانيا وإيطاليا.. تعددت أسباب الاحتجاجات وظل الشعار الرافض لعصر«الظلمات» واحدا.