آن كارسون.. حين يصبح التراث مادة للمستقبل
عيد محمد
آخر تحديث:
السبت 31 أكتوبر 2026 - 7:20 م
بتوقيت القاهرة
فى كل عام، تعيد جائزة نوبل للآداب طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: ما الذى يجعل كاتبًا جديرًا بأن يُقرأ خارج لغته وزمنه وبلده؟ وفى الثامن من أكتوبر الماضى، جاء الجواب باسمٍ طالما تردد فى قوائم المرشحين: الكاتبة الكندية آن كارسون (76 عامًا)، وهى من أكثر الأصوات الأدبية فى عصرنا استعصاءً على التصنيف. وحين اتصلت بها الأمينة الدائمة للأكاديمية السويدية، إنجريد كارلبرج، لتبلغها النبأ، كانت كارسون فى آيسلندا «تُصغى إلى الريح».
منحتها الأكاديمية الجائزة «لنتاجها الجرىء والمبتكر الذى ابتدع، فى حوار مرِح مع التراث الكلاسيكى، أشكالًا جديدة للأدب المعاصر». وهذه العبارة تحديدًا هى ما تجعل تجربة كارسون جديرة بالتأمل، أبعد من حدود الاحتفاء بالجائزة. وليست كلمة «مرِح» حليةً فى بيان رسمى؛ فحين سُئلت إن كانت نوبل ستغيّر جمهور قرّائها، أجابت بسخريتها الهادئة: «سأحصل على ملصق جديد على أغلفة كتبى».
فكارسون ليست شاعرة بالمعنى التقليدى، ولا روائية خالصة، ولا مترجمة فحسب، ولا باحثة أكاديمية وحسب؛ إنها تتنقل باستمرار بين هذه المواقع جميعًا. كتبت القصيدة والمقالة والنقد والرواية الشعرية ونصوصًا للأوبرا، وترجمت شذرات سافو ومآسى أسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس، ثم أعادت تشكيل هذه المواد فى أعمال لا تكاد تستقر على جنس أدبى واحد. بل إن الأكاديمية نفسها رأت أن ترجماتها يمكن أن تُعدّ أعمالًا قائمة بذاتها. ولهذا تبدو كتبها أقرب إلى مختبر أدبى مفتوح، تُختبر فيه حدود الشعر والنثر والترجمة والنقد معًا.
• • •
ولعل المفارقة الأجمل فى تجربتها أنها تبنى حداثتها من أقدم المواد. فهى لم ترَ فى التراث الإغريقى عبئًا ينبغى التحرر منه، ولم تتعامل معه بوصفه متحفًا لنصوص محنّطة، بل رأته مادة حية يمكن العودة إليها ومحاورتها وإعادة تشكيلها.
يتجلى ذلك فى أشهر أعمالها، «سيرة ذاتية للأحمر» (1998)، وهى رواية شعرية تنطلق من شذرات الشاعر الإغريقى ستيسيخوروس عن جيريون، الكائن الأحمر المجنّح الذى يقتله هرقل فى الأسطورة ويستولى على قطيعه. غير أن كارسون لا تعيد سرد الأسطورة كما وصلت إلينا؛ فجيريون عندها فتى معاصر مرهف الحس يحمل آلة تصوير، ويعانى الحب والهشاشة والفقد. وقد لخّص الناقد الأمريكى آدم كيرش هذا التحول ببراعة: فى الأسطورة يقتل هرقل جيريون، أما عند كارسون فيكسر قلبه. هكذا يمر القديم عبر حساسية الإنسان الحديث، حتى يصير قادرًا على الكلام بلغة جديدة.
وهنا تكمن أهمية كارسون: فهى لا «تقتبس» التراث بقدر ما تدخل معه فى حوار. وهذا فرق جوهرى. فالاقتباس قد يعنى أن نستدعى نصًا قديمًا ونضعه فى عمل جديد، أما الحوار الحقيقى فيعنى أن نسمح للتراث بأن يتغير ونحن نقرأه، وأن نتغير نحن أيضًا فى أثناء القراءة. ولهذا لا يشعر قارئ كارسون بأنه أمام إعادة تدوير للماضى، بل أمام اكتشاف جديد له.
وفى «نوكس» (2010)، وهى كلمة لاتينية تعنى «الليل»، تمضى التجربة إلى منطقة أكثر خصوصية. فقد صنعت كارسون هذا الكتاب بعد وفاة شقيقها مايكل فى كوبنهاجن عام 2000، إثر سنوات طويلة من الغياب والقطيعة، وكتبت على علبته أنها صنعت له، حين مات، نقشًا جنائزيًا فى هيئة كتاب. فالكتاب يأتى فى علبة، وصفحاته شريط واحد مطوى كالأكورديون، يجمع الصور والرسائل والقصاصات والملاحظات، إلى جانب محاولاتها المتكررة لترجمة القصيدة التى رثى بها الشاعر الرومانى كاتولوس أخاه قبل أكثر من ألفى عام.
وقد وصفه الناقد سام أندرسون فى «نيويورك تايمز» بأنه مرثية، ومرثية عن الرثاء نفسه فى آن. وهنا تكفّ الترجمة عن أن تكون نقلًا لغويًا، لتصبح محاولة لفهم الغياب، وحوارًا بين حزن عمره ألف عام وحزن لم يجف بعد.
• • •
وهذا يقودنا إلى سؤال أوسع من آن كارسون نفسها: ما معنى التجديد؟
فى ثقافات كثيرة، ومنها ثقافتنا العربية، يُطرح التراث أحيانًا فى صورة ثنائية مبسطة: إما أن نحافظ عليه كما هو، وإما أن نتمرد عليه كى نصبح حداثيين. لكن تجربة كارسون تكشف فقر هذه الثنائية. فالتراث ليس نقيض الحداثة، والحداثة لا تعنى محو الذاكرة. بل إن بعض أكثر الأعمال ابتكارًا هى تلك التى تعرف الماضى معرفة تكفى لكى تتحرر من الخضوع له، وهو ما صنعه نجيب محفوظ، على نحو مختلف، حين أعاد فتح عالم «ألف ليلة وليلة» فى «ليالى ألف ليلة» والمقارنة هنا ليست بين أسلوب محفوظ وكارسون، ولا بين تجربتين تنتميان إلى سياق واحد، وإنما فى المبدأ الإبداعى ذاته: أن التراث لا يُستعاد لكى نكرر ما قاله، بل لكى ندخله فى الحاضر ونطرح عليه أسئلة لم يكن بمقدوره أن يجيب عنها بصورته القديمة. فالنص التراثى، فى الحالتين، ليس نموذجًا مقدسًا يُحاكى، وإنما مادة أولى يعاد تشكيلها لتنتج دلالات جديدة..
لقد دخلت كارسون إلى التراث من أعمق أبوابه قبل أن تعيد تشكيله. بدأت رحلتها مع اليونانية القديمة فى المدرسة الثانوية، حين وافق مدرّس اللاتينية على أن يعلّمها إياها فى استراحة الغداء، ثم نالت الدكتوراه فى الدراسات الكلاسيكية من جامعة تورنتو، وقامت بالتدريس فى جامعات عدة فى كندا والولايات المتحدة. ولهذا لم يكن التجديد عندها وليد الجهل بالأصل، بل ثمرة معرفة حميمة به. وقد عبّرت الأكاديمية عن ذلك حين قالت إن نتاجها كله تقريبًا يقف عند ملتقى هوس عالِم اللغة بالكلمات، وتوق الشاعر إلى معنى جديد. إنها تعرف القاعدة جيدًا، ولذلك تستطيع أن تكسرها عن وعى.
ومن هنا تكتسب تجربتها دلالة خاصة بالنسبة إلينا. فنحن نعيش فى ثقافة غنية بتراث شعرى وسردى وفلسفى هائل، والمشكلة ليست فى وجود هذا التراث، بل فى طريقة التعامل معه: حين يتحول إلى سلطة مغلقة يصبح عائقًا، وحين يتحول إلى مخزون حى من الصور والأفكار والأشكال يصبح مصدرًا للطاقة الإبداعية. ومن المفارقة أن هذه الكاتبة، التى جعلت الترجمة فى قلب مشروعها، لم يصل منها إلى القارئ العربى إلا القليل، ومنه «سيرة ذاتية للأحمر» بترجمة مأمون الزيدى، و«إيروس: الحلو المرّ» بتعريب عبد الرحيم يوسف. ولعل الجائزة تكون بداية لترجمات أوسع.
ولهذا فإن قيمة آن كارسون لا تكمن فقط فى فوزها بنوبل، ولا فى قدرتها على التنقل بين الشعر والترجمة والنقد والسرد، بل فى أنها تقدم نموذجًا نادرًا لعلاقة خلاقة مع الماضى: لا تهدمه كى تكون حديثة، ولا تحنّطه كى تبدو وفية له، بل تعيد فتحه على أسئلة الحاضر.
فالتراث لا يبقى حيًا لأننا نحفظ نصوصه، بل لأنه يظل قادرًا على إنتاج معنى جديد. وربما كان هذا هو الدرس الأعمق فى تجربة كارسون: أن التجديد لا يبدأ من فراغ، وأن الحداثة ليست قطيعة مع الذاكرة، بل قد تكون أجرأ طرائق استعادتها.
أستاذ مشارك (وحاصل على درجة الدكتوراه فى الدراسات الأمريكية من جامعة جورج واشنطن)