الإثنين 20 مايو 2019 5:31 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما مدى رضاك عن الدراما الرمضانية للموسم الجاري؟

شاهد عيان على التسامح فى الإمارات

نشر فى : الثلاثاء 5 فبراير 2019 - 11:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 5 فبراير 2019 - 11:55 م

عشت عشر سنوات فى دولة الإمارات العربية، خلال عملى صحفيا بصحيفة «البيان» فى دبى فى الفترة من ١٩٩٨ حتى ٢٠٠٨. سكنت فى أكثر من منطقة بين دبى والشارقة وخلالها، عاشرت وعشت مع العديد من الجنسيات والأعراق والأديان والمذاهب واللادينيين.
حينما كنت عازبا، عشت بجوار أسرة فلبينية مسيحية بمنطقة المنخول القريبة من برجمان ومنطقة القنصليات. وذات يوم مات قريب لهم، فأشعلوا الشموع فى صالة فيلتهم، فجلست معهم، مقدما العزاء، وصرت صديقا لهم، بل وأتدخل للصلح بينهم احيانا.
انتقلت إلى مكان قريب فى «الكرامة»، فى شقة مفروشة مع مجموعة من الشركس السوريين، الذين كانوا ناقمين على العرب فى عدم حميتهم للدفاع عن الإسلام.
بعدها انتقلت لمنطقة «البراحة» لأكتشف أن غالبية سكانها من منطقة جمهوريات الاتحاد السوفييتى السابق، أما الحارس فكان افغانيا متشددا، من انصار طالبان.
ذات يوم كنت أجلس فى ميدان عبدالناصر أو «بنى ياس» فجلس بجوارى اثنان الأول من كولومبيا والثانى من نيجيريا، وحاولا إقناعى بإعطائهما مائة دولار، ليقوما بتوليدها لأكسب ألف دولار، ويبدو أنهما عرفا أننى صعيدى!!
حينما تزوجت تركت دبى للسكن فى شقة بشارع الوحدة بالشارقة. الشخص الذى أجر لى الشقة كان لبنانيا شيعيا لديه جنسية سيراليون أيضا. وحينما تركت هذه الشقة، لأنتقل إلى اخرى فى شارع عبدالناصر، كان ساكنها عراقيا سنيا من الموصل.
الشقة الملاصقة لى كانت لأسرة لبنانية تضع عبارة «يا حسين»، والشقة التى تليها كانت لأسرة هندية، فوجئت ذات يوم بأنهم يضعون الشمع المشتعل واللمبات على مدخل باب الشقة وكذلك الشباك. سألت فعرفت أنه عيد هندوسى ربما يسمى بعيد الأنوار، ثم صار هذا المشهد متكررا فى السنوات التالية، لكثرة الجالية الهندية فى الإمارات. علما أن غفير أو حارس أو ناطور العمارة كان هنديا مسلما من ولاية كيرلا التى يكثر أبناؤها العاملون فى الإمارات والخليج عموما، وفى الشقة المقابلة كانت عائلة من السيخ.
وفى العمارة التى تليها كانت هناك اسر اكثر من عشرين صحفيا مصريا وعربيا.
ويوميا كنا نصادف الشباب الصينى الذى يطرق بابك أو يقابلك فى المقهى أو المول ليعرض عليك بضاعته، التى تشمل كل شىء من السيديهات والساعات المضروبة إلى الملابس والاجهزة الكهربائية الرخيصة. كنت أتردد بصورة شبه منتظمة على شواطئ جميرا ثم الممزر. كنت ارى الاوروبيين والامريكيين يسبحون بجوار العرب والاسيوين فى مياه الخليج العربى من دون أى حساسيات أو فروق.
حتى عام ٢٠٠٣ لم أكن أعرف أو أهتم بالهوية الدينية لجيرانى، باعتبار أن كل شخص فى حاله، ومشغول بعمله فقط. حينما حدث الغزو الأمريكى البريطانى للعراق انطلق مارد الطائفية والمذهبية المقيت فى كل المنطقة، ولم نكن نعرف أن هذا الغزو الهمجى، سيكون الحاضنة التى ستنشأ فيها تنظيمات متعددة، ستنتهى بالنسخة الراهنة من داعش واخواتها!!
عشت عشر سنوات فى الإمارات، ولم أتذكر أى إيماءة مذهبية أو طائفية أو عنصرية. قابلت وتعاملت مع غالبية الجنسيات.
فى جريدة البيان كان الأمر أشبه بجامعة الدول العربية، صحفيين وموظفين وعمالا من غالبية البلدان العربية، مع زيادة نسبية للمصريين، قبل أن يتناقص عددهم لاحقا. كان هناك أيضا عمالة من الفلبين والهند وباكستان وسريلانكا وبنجلاديش.
الجميع كان يتعامل بصورة حضارية محترمة، والسبب غير «الحفاظ على أكل العيش»، كان المناخ المتسامح الذى قررته الدولة الاتحادية للجميع، وعدم التفريق بين الناس إلا على أساس العمل والقانون. ومن كان يخالف ذلك، يتعرض لأقسى أنواع العقاب، والمتمثل فى المحاكمة أو الترحيل لبلده.
يوما الأحد والإثنين الماضى عدت إلى الإمارات وحضرت المؤتمر العالمى للأخوة الإنسانية، الذى شارك فيه البابا فرنسيس وشيخ الأزهر أحمد الطيب ومئات من رجال الدين يمثلون كل الأديان السماوية وغالبية الديانات الوضعية.
لم أتفاجأ من العنوان أو المضمون، فقد عشت ذلك عمليا على أرض الواقع، وكنت شاهد عيان عليه.
أتمنى أن يستمر هذا المناخ فى الإمارات، وينتقل منها إلى بقية الجزيرة العربية، فى المناطق التى لا تؤمن بالآخر المختلف معها. نحتاج إلى إشاعة مناخ التسامح فى كل المنطقة، حتى يمكننا أن نتفرغ للعمل والتقدم بدلا من الغرق فى معارك تنتمى للمرحلة الجاهلية، ولن تنتهى لشىء سوى الحروب وما تخلفه من الدمار والخراب.

عماد الدين حسين  كاتب صحفي