الجمعة 24 مايو 2019 4:29 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما مدى رضاك عن الدراما الرمضانية للموسم الجاري؟

تجربة ديمقراطية محدودة جدًا

نشر فى : الأحد 10 فبراير 2019 - 11:55 م | آخر تحديث : الأحد 10 فبراير 2019 - 11:55 م

بعد ظهر الجمعة قبل الماضية، كنت شاهدا على تجربة ديمقراطية صغيرة ومحدودة جدا، لكنها مهمة ومثيرة.
فى هذا اليوم كانت هناك انتخابات على منصبى نائب رئيس اتحاد الشاغلين فى مدينة الصحفيين بالتجمع الأول بالقاهرة الجديدة، وكذلك أمين الصندوق بالاتحاد.
المدينة عبارة عن «كومبوند» لا يزيد على ٣٠٠ وحدة سكنية، قرب مدينة الرحاب، بدأت وزارة الأوقاف فى إنشائه لحساب نقابة الصحفيين منذ عام ٢٠٠٤، لكن لم يتم تنفيذه وتسليم شققه إلا عام ٢٠١٥، وبالأسعار الحديثة المرتفعة، وليست القديمة.
أثناء تسجيل الحاضرين فى الجمعية العمومية «صوت لكل وحدة سكنية»، حدث خلاف كبير، على من يقوم بالتسجيل، باعتبار أن هناك شبهة انحياز لبعض المرشحين. الزعيق كان بأعلى صوت ممكن، وصل بأحد الأعضاء للقسم بالطلاق بتعطيل عملية التصويت إذا لم يتم التعديل.
هذا الصراخ كاد يتطور إلى اشتباكات بالأيدى، لكن انتهى بعد نحو ثلث ساعة بتوافق بين الفرقاء. بدأت الجمعية العمومية، وانقسم الناس مجددا حول: هل يتم السماح للأعضاء بالحديث قبل التصويت أم لا؟ وانتهى الأمر باستعجال الناس لعملية التصويت. لكن الجدل تجدد مرة أخرى حول: هل يتم مناقشة الميزانية والمركز المالى أولا، أم بعد التصويت؟ وانتصر الرأى الأول، لأنه قد يؤثر على عملية التصويت.
خلال مناقشة الميزانية، انقسم الناس أكثر من مرة وصرخوا مطولا، وقاطعوا المتحدث مرارا، المعارضون يريدون أن يردوا على كل كلمة وكل رقم. والمستشار القانونى يحاول جاهدا إقناعهم بضرورة الاستماع إلى البيان بالكامل، وبعده يحق لكل منهم أن يتحدث ويعترض كما يشاء، ثم إن كل شخص يستطيع أن يصوت بالطريقة التى تعجبه بحيث يعاقب المترشحين القدامى، أو من يدعمون رئيس الاتحاد الحالى، واستمر الجدل مطولا، وبدلا من التصويت فى الثانية والنصف ظهرا، بدأ فى الخامسة والربع مساء. وانتهى بفوز المرشحين المعارضين لرئيس المجلس، وعدم الموافقة على المركز المالى. بعد أن انصرف غالبية المؤيدين الذين أصيبوا بالزهق والطهق واستنزاف وقتهم وأعصابهم فى جدل يرونه عقيما.
التطور الأسوأ أن المعارضين أصروا على أن يتقدم رئيس الاتحاد بالاستقالة، باعتبار أن رفض المركز المالى هو تصويت ضده، ورئيس الاتحاد يقول إن ذلك غير قانونى، وإنه مستعد أن يفند ويرد على كل جنيه تم صرفه، والجمعية العمومية هى صاحبة الحق الوحيد فى إقالته أو تجديد الثقة به. أما الأكثر سوءا فهو قيام بعض المنفلتين بالاعتداء الجسدى على رئيس الاتحاد، وذهاب الجميع إلى قسم الشرطة. المؤسف أن يتم ذلك بين مجموعة يفترض أنها متعلمة ومثقفة وغالبيتهم من الصحفيين وبعض المحامين والمهنيين.
قد يسأل سائل: وما قيمة كل هذا الأمر حتى «تصدعنا وتدوش أدمغتنا به»؟!
فى تقديرى أن هذا الأمر على الرغم من أنه تجربة صغيرة جدا فإنه كاشف ومهم. بعض الحاضرين تحدثوا معى خلال الجمعية العمومية، وقالوا إن ما حدث يكشف أن الشعب المصرى، لا يستحق الديمقراطية، وأن التعيين والاختيار من أعلى هو الحل، لأن الديمقراطية مضيعة للوقت، وتقود للشجار والعراك والخصومة وتضييع الوقت وإهدار الجهد والمال وتعطيل العمل!.
سألنى البعض: وما رأيك أنت فيما حدث؟!
قلت لهم: أنا مثل الكثيرين أصبت بالملل والزهق وتركت مواعيد مهمة، لحضور الجمعية، لكن رأيى أن ما حدث على الرغم من كل عيوبه، أفضل من أى نظام آخر، حتى لو كان أفضل ظاهريا.
الأعضاء خلال مناقشة الميزانية، صرخوا ووجهوا لأعضاء اتحاد الشاغلين كل أنواع التهم المتعلقة بإهدار أموال الاتحاد، بل إن أحد المنفعلين، قال لهم: «أنتم تخلطون بين مال الاتحاد ومالكم الشخصى!».
من المهم جدا أن يسمع الأعضاء ــ الذين هم عينة مصغرة من الشعب ــ كل الحقائق والمعلومات، وحتى الاتهامات ليختاروا المرشحين بصورة صحيحة أو أقرب إلى الصحة. قد نكتشف أن المرشحين الجيدين فاسدين بعد انتخابهم، فى هذه الحالة نقوم بمعاقبتهم وإسقاطهم، بل وتحويلهم إلى النيابة العامة.
خلال مناقشة الميزانية أيضا، كانت هناك ظاهرة صحية ممتازة، وهى أن الأعضاء يريدون معرفة كيف تم إنفاق كل مليم أو قرش، وقدموا اقتراحات، لمراقبة عملية الانفاق.
على الرغم من كل الملل والزهق والصراخ والعويل وتبادل الاتهامات، وحتى الذهاب إلى قسم الشرطة، فإن العملية الديمقراطية التى شاهدتها بعد ظهر يوم الجمعة الماضية، تستحق أن تكتمل ويبنى عليها وتتطور.
المؤكد أن الصراخ، سيقل فى المرة المقبلة، والتى تليها، حتى نصل جميعا إلى درجة من الوعى والفهم، وإذا فعلنا فى كل الجمعيات والهيئات والاتحادات والمؤسسات، فسوف يكون لدينا برلمان قومى قوى ويعبر عن الشعب قولا وفعلا.

عماد الدين حسين  كاتب صحفي