مؤامرة.. أم فشل سياسى؟! - عماد الدين حسين - بوابة الشروق
الإثنين 16 ديسمبر 2019 2:57 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

مؤامرة.. أم فشل سياسى؟!

نشر فى : الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 - 4:25 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 - 4:25 ص

حينما يخرج المواطن اللبنانى ــ المغلوب على أمره ــ إلى الشارع للتظاهر والاحتجاج ضد الظروف المعيشية الصعبة، فإنه لا يحسبها بالورقة والقلم، ولا يمكن بالمنطق ان نطلب منه أن يسأل نفسه، السؤال التالى: هل سيؤدى تظاهره إلى تفكيك البلد أو تمكين أعداء الوطن من إنجاح مؤامرتهم؟!


هل يمكن أن نلوم الضحايا لأنهم يصرخون من الألم ونستكثر عليهم قولة «آه»؟!. هم ليسوا روبوتات أو كائنات مبرمجة بلا مشاعر. حتى يمكن أن يضمنوا نتائج احتجاجاتهم، أو يحصلوا على خطاب ضمان رسمى يفيد بأن مظاهراتهم ستؤدى إلى تحقيق كل المطالب، من دون أن تحدث أى أضرار. لا توجد مظاهرات أو احتجاجات فى أى مكان فى العالم مضمونة النتائج.


ما يحدث باختصار أن الجماهير الغاضبة لا تلجأ للتظاهر، إلا بعد أن يفيض بها الكيل، وتنسد أمامها كل سبل التعبير السلمى عن الرأى، وفى الحالة اللبنانية، فإن «المؤامرة» لم تبدأ من المتظاهرين لكى تخرب أو تفكك لبنان، لكن الذى أطلق شرارتها هو الحكومة الممثل فيها كل مكونات القوى والاحزاب السياسية والطائفية، حينما قررت فرض المزيد من الضرائب، ومنها ضريبة عجيبة غريبة على استخدام تطبيق «الواتساب»!!


جزء كبير من هؤلاء المحتجين لديه شعور يقينى بأنه فى اللحظة التى يتم فيها التضييق عليه فى حياته، فإن الطبقة السياسية وزعماء الطوائف والمقربين منهم، يرفلون فى النعيم المقيم، فى حين مطلوب منهم فقط أن يتقشفوا ليس من أجل حل المشكلة الاقتصادية. ولكن لضمان استمرار امتيازات هذه الطبقة التى يرونها فاسدة ومفسدة.


هل هناك مؤامرة تستهدف لبنان؟! نعم وهى مستمرة منذ زمن طويل، وهناك عدو استيطانى اسمه اسرائيل، يواصل استهداف لبنان وقام باجتياحه عام ١٩٨٢، وشن عليه أكثر من عدوان عقابا على دعمه للمقاومة الفلسطينية، وشجع واستثمر فى الحرب الأهلية التى بدأت عام ١٩٧٥ وانتهت عام ١٩٩٠ باتفاق الطائف، وما يزال يحاول حتى الان.


لكن للموضوعية فإنه لا إسرائيل، ولا أى دولة أخرى، هى التى اججت الاحتجاجات، أو قامت بفرض الضرائب الأخيرة.


من فعل ذلك كانت الحكومة وقادة الطوائف مجتمعين، وبالتالى فإن الحديث عن المؤامرة اليوم هو عبث مكشوف. لأنها لو كانت موجودة فى هذه الحالة، فالمفترض أن يتم مساءلة ومحاكمة ومحاسبة الحكومة لأنها سمحت لهذه المؤامرة بأن تنجح.


لا يحق لأى من أركان الحكومة اللبنانية خصوصا رئيسها سعد الحريرى، أو الرجل القوى حسن نصرالله زعيم حزب الله، أو الرئيس ميشال عون الحديث عن الخوف من فوضى قد تشعل حربا أهلية، لو كانوا يخافون من الاستهداف، فما الذى منعهم من ايجاد حلول حقيقية للأزمة الاقتصادية المتفاقمة منذ زمن، وما الذى دفعهم لزيادة الضرائب، بدلا من قيامهم باتخاذ إجراءات تقشفية حقيقية قبل اندلاع الاحتجاجات؟!


لا يحق لأحد الحديث عن مؤامرة فى لبنان، فى حين أن غالبية أركان الحكومة من أول رئيس الجمهورية ثم رئيس الوزراء إلى رؤساء الكتل والأحزاب، أقروا بحق المواطنين فى التظاهر والاحتجاج بسبب صعوبة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وشاهدنا تيار المستقبل الذى ينتمى إليه رئيس الوزراء يقول إنه يشيد بحماية قوى الأمن للمتظاهرين ضد محاولات قوى أخرى لاستهدافها قامت بإطلاق «حفلة جنون» ضد المتظاهرين.


بالطبع هناك قوى متربصة تحاول تفجير لبنان وإعادته مرة أخرى للحرب الأهلية. لكن علينا أن نلوم من يسمح لهؤلاء المتآمرين بذلك. وهذا الطرف ليس المواطنين الذين لا يجدوا ما يسد رمقهم، بل من وضعهم فى هذه الظروف الصعبة البائسة، التى دفعت المتظاهرين للمرة الأولى إلى التوحد خلف شعارات وطنية عامة وليس طائفية. وهى الضربة الأكبر التى يتم توجيهها للنظام الطائفى القائم منذ عام ١٩٤٣ حينما استقل لبنان عن فرنسا، وليس بعد اتفاق الطائف عام ١٩٩٠.


أعرف أن هناك من يكتب بحسن نية محذرا من استغلال المظاهرات لتفكيك لبنان، والسؤال البسيط لهؤلاء هو: أليس هذا التحذير تستغله الحكومات العربية فزاعة من أجل استمرار فشلها وفسادها. وهل بهذا المنطق وخوفا من المؤامرة والتفكيك، فإننا ندعو كل الحكومات الفاسدة والعاجزة أن تستمر فى ممارساتها، ووقتها لن تحتاج إلا لرفع شماعة المؤامرة ضد الوطن والأمة؟!
من الواضح أن شماعة المؤامرة بدأت تضعف وتتآكل فى العديد من العواصم والمدن العربية، بعد أن تبين أن كثيرين يتاجرون بها!

عماد الدين حسين  كاتب صحفي