تمر النخب المهنية والعمالة الماهرة اليوم بمرحلة من الذعر الوجودى تعتبر الأشد فى تاريخ استطلاعات الرأى الحديثة، والسبب بكلمتين: الذكاء الاصطناعى. إذ يؤمن هؤلاء المهنيون اليوم أن فرصهم فى الحفاظ على أمانهم الوظيفى خلال السنوات القليلة المقبلة باتت مهتزة، فى موجة قلق تتجاوز بمرارتها ما خبرناه خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008.
والغريب أن هذا الذعر لم يعد حبيس المكاتب التقليدية؛ بل بات يتردد على ألسنة قادة التكنولوجيا أنفسهم من صناع هذه الطفرة فى «سيليكون فالى»، مثل سام ألتمان، الرئيس التنفيذى لشركة «أوبن إيه آى»، وداريو أمودى، الرئيس التنفيذى لشركة «أنثروبيك»، وبيل جيتس الشريك المؤسس لـ «مايكروسوفت»، الذين يحذرون من أن تجعل الآلة الذكية الجهد البشرى «غير ضرورى» فى معظم المهام، أو قد تدفع بمعدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة.
فى المقابل، ينظر علماء الاقتصاد إلى هذا المشهد بعيون أكثر اتزانًا، مدفوعين برفضهم التقليدى لما يصفونه بوهم «الكعكة الثابتة» لسوق العمل؛ وهى الفرضية الخاطئة التى تفترض أن حجم الوظائف المتاحة للبشر محدد ولا يمكن زيادته، فإذا التهمت الآلة جزءًا منه، شحّ الباقى على الإنسان. الحقيقة التى يثبتها الواقع هى أن التكنولوجيا لا تلغى الفرص بل تعيد توجيهها؛ فكلما أغلقت التقنية بابًا تقليديًا، فتحت آفاقًا جديدة تمامًا لمهن لم تكن تخطر على بال.
وحتى يومنا هذا، تفند الأرقام الواقعية هذه المخاوف القاتمة؛ فالأسواق العالمية ما زالت تستوعب الطاقات البشرية بنهم، بل إن القطاعات الأكثر عرضة لتهديد الذكاء الاصطناعى والمحاكاة الذكية، كالاستشارات القانونية والإدارية، تشهد اليوم معدلات توظيف تفوق كل ما سُجل فى تاريخها.
إن الخوف من «أبوكاليبس الوظائف» ليس وليد اليوم، لكن قراءته فى مرآة التاريخ تؤكد أن حدوث بطالة جماعية وطويلة الأمد بفعل التطور التقنى سيكون، إن حدث، أمرًا غير مسبوق تمامًا فى التاريخ البشرى.
كما تُظهر البيانات التاريخية أن تبنى التقنيات الجديدة وانتشارها فى عصب الاقتصاد يحدث دائمًا بوتيرة أبطأ بكثير مما يتخيله المتفائلون أو يتخوف منه المتشائمون. إذ ثمة سقف تاريخى غير مرئى يكبح جماح التغيير المفاجئ، ويمنع التطور من هدم بنيان الوظائف دفعة واحدة؛ فالأمر أشبه بالتحول المتدرج الذى يمنح المجتمعات فرصة لإعادة التكيف، وليس بزلزال يقلب الموازين بين عشية وضحاها.
ولنا فى قطاع الزراعة خير مثال؛ فقد مرّت العمالة الزراعية بتحولات جذرية على مر القرون، لكنها لم تشكل صدمة مباغتة وقاضية. فعندما اختُرع الجرار الزراعى الحديث فى مطلع القرن العشرين، لم يستيقظ الفلاحون ليجدوا أنفسهم بلا عمل فى اليوم التالى. بل استغرق الأمر أجيالًا كاملة ليتوزع الفائض البشرى بين المصانع والشركات الناشئة، مما أتاح للاقتصاد وقتًا كافيًا لتهيئة وظائف مستحدثة لم تخطر على بال أحد من قبل.
وحتى فى منتصف القرن الماضى، ومع ظهور الحواسيب العملاقة الأولى وحاويات الشحن البحرى، تخوف السياسيون آنذاك مما سموه «الحرارة التقنية البيضاء» التى ستلتهم الأسواق. ورغم أن حركة انتقال العمالة بين المهن كانت سريعة جدًا، فإن تلك الحقبة تُذكر اليوم بوصفها العصر الذهبى لنمو الأجور، وازدهار الطبقة الوسطى، واتساع الفرص للجميع.
غالبًا ما يستشهد المتشائمون بالثورة الصناعية فى بريطانيا خلال القرن التاسع عشر كدليل قاطع على بؤس العمال أمام سطوة الآلة. فبعد أن طور جيمس وات الآلة البخارية، قفزت أرباح أصحاب المصانع بشكل فلكى، بينما ظلت أجور العمال الحقيقية راكدة لنحو نصف قرن؛ وهى الفترة التى عُرفت تاريخيًا باسم «وقفة إنجلز». بسبب هذا الركود، اندفعت مجموعات من العمال الغاضبين لتحطيم الآلات والمغازل، ظنا منهم أنها سبب فقرهم وتشردهم. لكن المراجعات الاقتصادية الحديثة فككت هذه السردية، وأثبتت أن المتهم الحقيقى لم يكن الآلة، بل السياسة وجشع التشريعات.
ففى تلك الحقبة، ورغم دخول المكننة، تضاعف عدد الموظفين فى بريطانيا من أربعة ملايين ونصف إلى اثنى عشر مليون عامل. أما الأزمة الحقيقية التى خنقت القدرة الشرائية للعمال فكانت ناتجة عن الارتفاع الجنونى لتكاليف المعيشة ولا سيما الغذاء، بسبب الحروب والتعرفات الجمركية الحمائية الظالمة التى فرضها السياسيون على استيراد الحبوب لحماية مصالح كبار الملاك. باختصار: كان الخلل فى الإدارة السياسية والقوانين الجائرة، وليس فى التطور التقنى الذى كان يمهد لرفع مستوى الرفاهية لاحقًا.
لكن القول بأن التاريخ لم يشهد بطالة جماعية تقودها التقنية لا يعنى بالضرورة استحالة حدوثها مستقبلا؛ فالذكاء الاصطناعى يمتلك قدرات إدراكية ومعرفية لم تكن للآلات الميكانيكية السابقة. ولكن، بدلا من الغرق فى التكهنات، توجد علامات واضحة وصارمة يراقبها علماء الاقتصاد للتحقق مما إذا كانت نبوءة «نهاية الوظائف» قد بدأت تتحقق فعليا.
العلامة الأولى هى حدوث قفزة هائلة ومفاجئة فى إنتاجية الشركات، يقابلها هبوط حاد أو ركود طويل فى أجور العمال. بمعنى أن تضاعف الشركات إنتاجها وتجنى أرباحًا خيالية، فى حين تعجز رواتب الموظفين عن النمو لأن الآلة أصبحت البديل الأرخص والأكثر جهوزية. أما العلامة الثانية، فهى الشطب الجماعى والفورى للوظائف فى قطاعات متعددة ومتنوعة بالتزامن، دون أن يواكب ذلك ولادة مهن أو قطاعات بديلة تستوعب هذه الطاقات المسرحة.
يعلمنا التاريخ الاقتصادى درسًا أخيرًا وبليغًا: إن فترات النمو والازدهار غالبًا ما توارى العيوب الهيكلية فى الأسواق، لكن الأزمات وفترات الركود الاقتصادى هى المختبر الحقيقى والوحيد.
ففى أوقات الركود، تضطر الشركات إلى اتخاذ قرارات قاسية وجريئة للبقاء على قيد الحياة؛ فتتخلص من الوظائف الروتينية والمكلفة، وتندفع نحو تبنى الحلول الذكية والأتمتة الكاملة. وفى تلك المنعطفات الحرجة تحديدًا، تختفى وظائف قديمة إلى الأبد، وتولد مكانها ديناميكيات جديدة. وحتى يمر الاقتصاد العالمى باختبار الركود القادم، سيبقى الجميع، بمن فيهم عباقرة الذكاء الاصطناعى أنفسهم، فى وادى التوقعات، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام.
محمد إسماعيل
جريدة النهار العربى