إذا كانت أحوالنا الاقتصادية ليست فى أفضل أحوالها ونتحدث دائما عن ترشيد الإنفاق وتخفيف الأحمال، أليس من المنطقى أن نتخلص من كل العادات والسلوكيات والممارسات التى تتناقض مع ذلك حتى لو كانت صغيرة مثل الكروت الورقية؟!
فكرة اليوم طرأت على ذهنى بعد أن تلقيت بعض المعايدات الورقية بمناسبة عيد الأضحى المبارك.
بالطبع شكرا لكل من هنأ وبارك وهذا أمر مهم للتواصل والتواد والرحمة بين الناس، لكن لماذا لا نعيد النظر فى وسائل التهئنة وليس فى المبدأ نفسه؟!!
بعض المعايدات عبارة عن بوسترات على ورق فاخر وسميك جدا ومكتوب بعبارات محفورة فى الكارت الذى هو عبارة عن طبقات من ورق مقوى، وظنى أن المزعج فى الأمر أن الهيئات والمؤسسات الرسمية هى التى تتحمل تكلفة هذه المعايدات، أى أن دافع الضرائب هو الذى يتحمل التكلفة الفعلية.
قد يقول البعض، إذا كان الأمر كذلك، فمن حق أى شخص أن يرسل ما يشاء من معايدات طالما أنها كانت على حسابه، وحتى إذا كان هذا الأمر يبدو معقولا، فهو ليس صحيحا على علاته، لأنه ببساطة يهدر ما يمكن الاستفادة به فى أمور أخرى أكثر أهمية.
ما الذى يمنع أن يقوم أى شخص بإرسال رسائل إلكترونية عبر تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعى المختلفة، خصوصا أن كثيرين صاروا يستخدمونها، وقد يقول البعض إنها وسائل صماء بلا مشاعر، وهذا أمر صحيح إلى حد ما، والحل لذلك، أن نقوم بالاتصال والتواصل المباشر مع بعضنا البعض عبر الهاتف أو الزيارات الشخصية كما كنا نفعل فى الماضى.
وحتى إذا كان نمط الحياة الحالى لا يسمح للناس بذلك فلا يكون الحل بهذه الكروت المذهبة والفخيمة خصوصا إذا كان أصحابها لا يدفعون تكلفتها من جيوبهم بل من جيب دافع الضرائب!
هذا السلوك ليس قاصرا على مؤسسة أو مجلس أو هيئة بعينها بل سلوك يكاد يكون منتشرا بصورة كبيرة.
الهيئة أو المجلس أو المؤسسة ترسل لك دعوة فخيمة مكتوبة بورق مصقول، وعليها شعارات ملونة داخل مظروف كبير وضخم، لكى تكتب لك «عيد سعيد». وكنت أتمنى أن كل من يفعل ذلك يراجع نفسه ويحسب كم تتكلف هذه التهانى للمؤسسة التى يعمل بها.
المسألة يمكن حلها ببساطة باعتماد إرسال التهانى عبر وسائل التواصل الاجتماعى أو الاتصالات المباشرة.
هل الأمر قاصر فقط على التهانى والتبريكات بالأعياد والمناسبات؟ الأمر ليس كذلك؟
على سبيل المثال يمكن أيضا أن تتخلص كل الوزارات والهيئات والمؤسسات والمجالس المختلفة من إرسال الدعوات الورقية للاجتماعات والندوات واللقاءات وسائر أنواع المناسبات، وتستبدلها بالوسائل الإلكترونية، خصوصا الإيميل أو عبر وسائط التواصل الاجتماعى، ومعظمها صار هو الوسيلة الأساسية للتواصل.
فإذا كان الإنسان يمكنه أن ينجز كل معاملاته البنكية ويحول آلاف بل وملايين الجنيهات عبر الأونلاين بنك، ألا يمكن أن يرسل دعوة لقاء أو ندوة أو اجتماع عبر الموبايل فقط؟
أحيانا الإصرار على استخدام الأوراق يثير الاستغراب فى ظل ما نعانيه من مشاكل اقتصادية ضخمة. على سبيل المثال وفى ظل الإصرار على المخاطبات الورقية، يضطر الشخص الى الذهاب بنفسه أو عبر مندوب للمؤسسة للحصول على الدعوة، هو يضيع الوقت والجهد والمال فى حين يمكن حل هذه المسألة ببساطة عبر الدعوة الإلكترونية.
العديد من السفارات الأجنبية بالقاهرة استغنت فى الفترة الأخيرة عن الدعوات الورقية واكتفت بإرسال «الكيو آر كود». وعندما تصل إلى السفارة تفتح فقط هاتفك، والموظف الموجود على مدخل السفارة يفحص ذلك خلال ثوانٍ ويقول لك شكرا، تفضل!
ما المشكلة فى ذلك، ولماذا لا نوفر الأوراق والجهد والمال؟
أتمنى أن يصدر الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء وكل مسئول فى مكانه تعميما واجب التنفيذ إلى كل الهيئات والمؤسسات الحكومية، بالتوقف التام عن استخدام الدعوات الورقية، خصوصا شديدة البهرجة والاستفزاز، طالما أن الحكومة نفسها تدعو للتقشف وترشيد الإنفاق، بل وأدعو صاحب كل شركة أو مؤسسة خاصة أن يتبع نفس المنطق، ويوفر ذلك لنفسه أو لشركته أو لعماله، باعتبار أن ذلك يصب فى النهاية فى مصلحة المجتمع بأكمله ولأن العديد من الخدمات التى يستخدمها مدعمة من الدولة مثل الوقود والكهرباء.
نحن نحتاج للترشيد فى كل شىء، من أول هذه الكروت المذهبة وصولا إلى استخدمات الكهرباء وقطرات المياه.
وكل عام وأنتم بألف خير.