«الاختيار».. ومقولة السباق بين التدين والتطرف - عماد الدين حسين - بوابة الشروق
الثلاثاء 14 يوليه 2020 8:37 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

«الاختيار».. ومقولة السباق بين التدين والتطرف

نشر فى : الخميس 28 مايو 2020 - 8:25 م | آخر تحديث : الخميس 28 مايو 2020 - 8:25 م

القضايا التى أثارها مسلسل «الاختيار» كثيرة ومتنوعة ومن بينها: هل هناك سباق بين الدولة والإرهابيين على من فيهما الأكثر تدينا؟!
البعض كتب يقول نصا إن «كاتب المسلسل باهر دويدار، أخطأ حينما حاول أن يثبت أن الضابط والجندى أكثر إسلاما واستقامة من الإرهابى، وأن وظيفة الدولة أن تنشر النور والعلوم والمعرفة، حتى لا يتقبل الشباب الخرافة وكأنها واقع، وأن دحض الخرافة مقدم على الدروشة، التى تضع أساسا متينا لعودة الإخوان والجماعات الأخرى، بعد أن يتم تغييب الشعب، وأن مصر وطن قبل الإسلام وقبل الأديان، وأننا فى معركة وجود وليس معركة من منا أكثر إسلاما».
نفس المعنى كتبه خبير اقتصادى بارز قائلا: «تم تصوير الصراع فى مسلسل الاختيار على أنه بين تيارين أحدهما وطنى متدين، والآخر دينى متطرف، وكنت أفضله صراعا بين جيش مصر البطل، وبعض المرتزقة والمأجورين الذين لا دين لهم».
أحترم تماما وجهة النظر هذه، لكن أختلف معها إلى حد كبير، ورأيى أن مؤلف ومخرج ومنتج المسلسل، كانوا موفقين جدا فى رؤيتهم.
أتمنى أن نصل ذات يوم لما وصلت إليه اوروبا التى فصلت الدين عن الدولة، بعد تجارب دموية قاسية، وأن يكون أمر الدين فى دور العبادة، وبين العبد وربه.
لكن وإلى أن نصل لهذه المرحلة فعلينا أن نكون واقعيين.
هذا الواقع يقول إن الدين مكون فطري وأساسى عند الشعب المصرى ،حتى لو كان تدينه شكليا. تدين المصريين الوسطى سبق وجود جماعة الإخوان عام ١٩٢٨ وغيرها من الجماعات، التى تحاول احتكار الدين باسمها. وهذا التدين لاحق لنشأة الجماعة وغيرها.
غالبية المصريين المتدينين بصورة فطرية معتدلة، هم الذين تصدوا لحكم الإخوان، حينما حاولوا تأميم الدين، وهم أيضا الذين كانوا فى طليعة من ثاروا على الإخوان فى ٣٠ يونيه ٢٠١٣، والضباط والجنود فى الجيش والشرطة جزء من هذا الشعب المتدين.
إحدى المعضلات التى حاول المسلسل التعامل معها، هى أن المتطرفين يحاولون إقناع جنود وضباط الجيش والشرطة، وعموم الشعب بأنهم هم حاملو راية الدين، ولديهم صكوك غفران من السماء يوزعونها على من يشاءون!.
المنطق البسيط والسليم أنه لمواجهة مثل هذا المنطق الخطير، فلابد من توعية الناس بحقيقة الاسلام المتسامح وليس المتطرف والدموى.
لا يعقل أن تكون طريقة مواجهة المتطرفين الآن، هي ان نقنع الجنود والضباط مثلا بأهمية العلمانية. هم مصريون عاديون خرجوا من بيئة متدينة بطبعها، يصلون ويصومون ويعتمرون ويحجون، مثلما يفعل غالبية المصريين المسلمين.
والحل الحالي أن يتم كشف زيف المتطرفين والإرهابيين، وليس هجر الدين، لأنه لو حدث ذلك فسوف تكون فرصة ذهبية يتمناها المتطرفون ليقولوا للناس: «ألم نقل لكم إننا نحن فقط من يخاف على الدين؟!».
الدين يدخل فى معظم تفاصيل حياة المصريين اليومية من أول القسم بالله والمصحف والنبى وأولياء الله الصالحين، فى غالبية أحاديثهم، نهاية بالحج والعمرة وسائر الطقوس والعبادات وبعضهم يبيع أرضه أو مجوهرات زوجته أو يستدين لكى يحج أو يعتمر. هذا التدين موجود عند الإخوة المسيحيين أيضا.
هذا واقع متجذر ولا صلة له بالإخوان أو السلفيين. تدين المصريين سابق لهذه الجماعات الارهابية والمتطرفة، وسوف يستمر بعد نهاية وتلاشى هذه التنظيمات إن آجلا أو عاجلا.
ظنى الشخصى أننا لو نجحنا فى تغيير وتطوير الخطاب الدينى فى المستقبل، فربما ننجح فى ضبط هذه النقطة، بمعنى أن يفهم الناس البسطاء جوهر الدين ومقاصده الكلية وهى العدل والرحمة والتسامح والتقوى والتكافل والعلم والبحث، وليس الطقوس والشعائر فقط، والجدل حول قضايا انتهت من مئات السنين.
ظنى الشخصى أيضا أنه لا يوجد خلاف أو تناقض بين الدين والوطنية، وأظن أن حديث الرسول «ص» عن مكة حينما هاجر منها، معتبرا أنها أحب البلاد إليه، خير دليل على ذلك.
قضيتنا الحقيقية هى توعية الناس بجوهر الإسلام، وأن هذه الجماعات الإرهابية والمتطرفة، هى أكثر من أساء للإسلام مع الماضى والحاضر والمستقبل.
هؤلاء المتطرفون خطفوا الدين للأسف، وجعلوه مرادفا للعنف والدموية والكراهية فى نظر غالبية سكان العالم. الحل أن نكشف الوجه السمح للإسلام ووقتها ستبطل ورقة المتطرفين وبعدها يمكننا الحديث عن العلمانية أو غيرها. وسيحدث ذلك حينما ينعم العالم العربى والإسلامى بوعى أعمق وشامل، وتعليم مستنير وتعددية سياسية ودولة مدنية وحريات تعبير وبحث وتفكير واعتقاد وليس قبل ذلك.

عماد الدين حسين  كاتب صحفي