محمد مصطفى عرفي يكتب: ما ينبغي الاتفاق بشأنه بخصوص 30 يونيو
آخر تحديث: الأحد 16 يونيو 2013 - 2:55 ص بتوقيت القاهرة
تمضي الأيام سريعا، وسيبدأ شهر يونيو في لملمة أوراقه حتى نصل إلى يوم 30 يونيو الموعود. في تلك الأثناء، يتزايد الحشد الشعبي المساند لحملتي "تمرد" و"تجرد".
تمرد ما فتئت يراودها الأمل في أن تطلق ما أسمته بالمرحلة الثانية من ثورة يناير عبر إسقاط نظام الحكم الحالي، لاسيما أنه حسبما – ورد في إفاداتها الإعلامية – قد تمكنت من جمع زهاء 13 مليون توقيع من المواطنين الرافضين والمتضررين مما جرى ويجرى.
أما تجرد، فتستهدف القيام بما تراه ضرورة لحماية الشرعية الانتخابية التي أفرزتها الانتخابات الرئاسية في العام المنصرم، لهدفين رئيسيين وهما: إعطاء النظام الحالي فرصته الكاملة للنجاح والتغلب على المعوقات ومسببات الفشل الكامن – وربما أيضا ما تظن أنه إعاقة متعمدة أو على الأقل عدم معاونة مخلصة من قبل أجهزة الدولة الرسمية للنظام الحاكم، وكذلك حتى لا تنجرف مصر إلى مرحلة من الفوضى بلا ضابط أو رابط، إذ أن إسقاط رئيس منتخب بعد عام واحد من ولايته قد يفتح الباب مجددا لتكرار التجربة مع أي رئيس آخر خلال الفترة المقبلة، وهكذا.
وبداية، فإن تلك المقالة لا تعني بتفنيد الأسباب التي أوصلتنا إلى تلك الحالة غير المرضية من الاستقطاب الوطني الحاد، بل غايتها هو تسليط الضوء على الموقف الراهن. فالبادي أن ثمة حقائق منذرة يجب علينا جميعا أن نتبصر بها ونتحسب من تداعياتها:
أولا: أن شقـــة الخلاف كبيرة جدا بين المعسكرين الرافض والمؤيد لنظام الحالي، حتى بات "تجسير الهوة" بينهما خلال الفترة المتبقية أمرا صعبا على الأرجح. فالمخاوف قائمة، والشكوك متزايدة، والغضب متأجج، وخطاب التخوين قائم ومحتد.
هناك من يرى أن نظام الحكم فشل في استيعاب الآخرين واستأثر لنفسه بكل شئ، وفرض دستورا غير توافقي.. إلخ. وعلى الجانب الآخر، هناك من يجزم بأن المعارضة تريد أن تحرم الفريق الفائز بالشرعية الانتخابية من تنفيذ ما يراه، وهو أمر يناقض الديمقراطية التي يتشدقون بها.
ثانيا: للأسف الشديد، لا توجد شخصيات أو لجنة وطنية محايدة قادرة على القيام – فيما يبدو - بجهود وساطة للتقريب بين المعسكرين. لقد وصل الأمر مبلغه وبلغ السيل الزبى، وهو ما تبدى عندما بات لقاء اثنين من المواطنين المصريين (عمرو موسى والشاطر) أمرا معييا في نظر الكثيرين، بل ومستوجبا للاعتذار والتعهد بعدم التكرار، رغم أن السياسة وإدارة شئون الحكم – مثلما هو معروف – تستوجب المواءامات والموازنات وعقد الصفقات مع أعتى الخصوم وأشدهم لددا.
ثالثا: هناك تهديدات وتحذيرات، بعضها ظاهر وبعضها مبطن مغلف بملمس الحية الرقطاء ذات السم الزعاف. تتصاعد التعهدات بأن الأمر لابد من حسمه نهائيا لصالح هذا الفريق أو ذاك يوم 30 يونيو مهما كان الثمن. هناك من أعرب عن اعتقاده أنه لا بأس من التضحية بعشرة آلاف نفس إن اقتضت الضرورة، وذلك كتعصب مقيت وجهل مستحكم بتعاليم الدين الذي يدعى تمثيله الذي أعلى من قيمة حرمة النفس بأشد التعبيرات وأكثرها وضوحا ودلالة. كما أن هناك من حث أتباعه على قطع الطرق وخطط السكك الحديدية لإجبار النظام على السقوط المدوى خلال أيام.
إزاء ما تقدم، فإن ما ينبغى علينا كمصريين إدراكه أن الوضع بات خطيرا وقد ينذر بتبعات لا يستطيع أحد أن يقدر كنهها. نعم علينا أن نستبصر سريعا في تبعات العنف في عدد من الدول المجاورة، فالقاعدة التي يعلمها أي طالب مبتدئ في العلوم السياسية هو أنه من السهل جدا أن تبدأ العنف، ومن الصعب جدا أو المستحيل أن تتحكم بعد ذلك في مساره.
العنف يدفع إلى مزيد من العنف، والانتقام كهدف وغاية يصبح مثل وحش أسطورى يزداد شراسة كلما شرب من دماء الضحايا. ولنتحذر من أنه يمكن بسهولة استثارة حماسة الشباب ودفعهم إلى أتون محرقة يشاهدها سياسيون – ربما لم تكن نياتهم يوما خالصة للدين أو الوطن -، عبر ترديد عبارات خلابة مؤججة للعواطف المخلصة مثل "أن شجرة الحرية ترويها الدماء الذكية"، أو أن "الموت في سبيل الله أسمى أمانينا"، و"أن النصر ساعة صبر".. إلخ.
إن مصلحة الوطن تقتضى من أي مسئول ومواطن لديه الحد الأدنى من الضمير والوطنية أن يعلن نبذه واستهجانه للعنف – أيا كان غرضه أو غايته –، فدماء المصري – أيا كان انتماؤه السياسي أو الدينى – هي "قدس الأقداس" الذي لا ينبغي أبدا الجور عليه أو النيل منه.
على العقلاء من الجانبين أن يخرجوا للناس – بلا مواربة – ليؤكدوا أن أمن مصر وسلامة أبنائها هي غاية تجاوز كل كرسي حكم أو غاية سياسية أيا كان نبلها. ولنتذكر المقولة القرآنية الكريمة التي تشير فيما معناه أنك إن بسطت يدي لتقتلني ما أنا باسط يدي لأقتلك. وأن كفاح الزعيم الهندي غاندى السلمى تمكن من هزيمة احتلال أعتى الامبراطوريات العالمية آنذاك لبلاده.
الكل خاسر إن بدأ العنف، ولكن المؤكد بلا ريب أو شك أن من سيبدأ العنف سيكون هو الخاسر الأكبر. وليرعى الله مصر وليحفظ جيشها كي يكون درعا وسيفا كلما دعى الداعى ووجب النداء لمواجهة تحديات الأمن الخارجية وكذلك الداخلية إن لزم الأمر.