علي رمضان يكتب: شيزوفرينيا الأخطبوط
آخر تحديث: الإثنين 20 مايو 2013 - 12:00 ص بتوقيت القاهرة
ليس عجيبا ولا غريبا أن ننشغل عن هذا الموضوع الهام، فنحن مشغولون "لشوشتنا" ومستغرقون في ملهاتنا بالرغيف الجديد وسنبلة القمح، ومختلفون في مظاهرات نملأ بها أوقات فراغنا الطويل، منشقين حول تمرد وتجرد، بينما انشغل غيرنا في جمع المليارات من خلافاتنا ومعاركنا العربية، وانشغل حكامنا أيضا بالدفاع عن عروشهم التي يزدادون التصاقا بها عاما بعد عام.
الموضوع باختصار أن القلب الأمريكي الرءوف الحنون بان وانكشف، وظهر أنه قلب مثل كل قلب بني آدم الشاطر الحدق "المدقدق" الذي يريد المكسب ولا يريد الخسارة، ويهبط على الصعيدى فيبيع له الترماي. ولكن الحق يقال إن قلب الأمريكي لا يبيع الغش وإنما يبيع كل ما هو متقن وجديد وحديث ومبتكر، خاصة لو كان سلاحا يدمر ويحرق ويقتل ويفنى، وهذه ليست مشكلته؛ فهو يبيع لك السلاح، تستخدمه أو لا تستخدمه هذا ليس من شأنه.
والعار هنا هو سر شغف أمريكا باستمرار الحروب، خاصة التى تثيرها بعيدا عن ملعبها، وهذا السر بعيد كل البعد عن مهام الهيومان رايتس وأشعارها عن السلام والوئام بين البشر والصلح والتسامح، ولكن السر قريب كل القرب من قول الفنانة الراحلة مارى منيب "طوبة على طوبة خلي العركة منصوبة".
لم يعد هذا سرا؛ فقد أعلنه صراحة موقع "بوليتس" الفرنسي، وهو أن تكالب الدول الكبرى على بيع السلاح هو السبب الرئيس في استمرار أزمات إيران وسوريا وكوريا، فهي دول مسيطرة على مبيعات السلاح في العالم وتريد زيادة مبيعاتها، وتتظاهر بالمفاوضات من أجل إيقاف الحرب بالدبلوماسية، بينما هي في الحقيقة تؤججها وتشعل لهيبها، لأن انتهاء الحرب يعني إفلاسها وركود بضاعتها، ولا مانع أبدا من موت الالآف نظير هذا الدخل الهائل من مكاسب بيع السلاح.
في حرب الخليج الأولى التي تكلفت أربعين بليون دولار أمريكي، من أجل تحرير الكويت؟ هذا ما تعتقده عزيزى القارىء وهذا ما كنت أنا وغيري نعتقده من محبى السلام والوئام وكارهي الطغيان، ولكن الحقيقة الصادمة أنها حرب اصطنعتها الأيادي الماكرة التي همست في أذن الثور الأحمر أن الثور الأبيض سيلتهمها ويغتصب أرضها. والتقط الثوران الطعم، وفازت بائعة السلاح الأولى في العالم.
إذا صح أن أمريكا أنفقت هذا المبلغ الهائل لتحرير الكويت فهي عاشقة للعروبة، ولكن الاتفاق– ركز معي قليلا - كان أن تدفع أمريكا الربع ويدفع العرب – السعودية والكويت- الباقي.. تمام؟ تمام. وكان سعر البترول قبل الحرب لا يتعدى خمسة عشر دولارا للبرميل، ارتفع بعد الحرب بجنون فوصل اثنين وأربعين دولارا للبرميل الواحد، فأنتج أرباحا إضافية قدرها ستين بلبون دولارا. وتقاسمت الأرباح بالطبع الحكومتان السعودية والكويتية مناصفة مع الشركات العاملة بالنفط، وهي شركات أمريكية خاصة (تسعة بليون دولارا)، وخمس شركات حكومية أمريكية (21بليون دولارا).
وقد كلفت الحرب السعودية والكويت30 بليون دولارا أسلحة وربحوا 30 بليون دولارا من الزيت فالمحصلة صفر، بينما كلفت الحرب أمريكا 10 بليون دولارا وربحت 21 بليون من البترول، أي أن صافي ربحها من البترول كان 11 بليون دولارا. وصافي ربح القطاع الخاص الأمريكي 9 بليون دولارا، حيث لم يتكلف شيئا في الحرب، أي أن دخل أمريكا من الحرب الإجمالي هو 30 بليون دولارا، أضف إلى ذلك ربحها من قيمة أسلحة أمريكية بمبلغ 30 بليون دولارا. فتكون النتيجة مكسب ستين بليون دولارا داخل الخزانة الأمريكية من حرب الخليج.
وفي ليبيا قاد الناتو لهيب الحرب في ليبيا التي انتهت بقتل زعيمها، وكانت تكاليفها باهظة جدا، فقد بلغت تكلفة ساعة الطيران وحدها أربعين ألف دولارا، بخلاف معدات الطائرة وأسلحتها، لذلك فإن ساعات الطيران وحدها تكلفت جميعها 12 مليار دولار، علاوة على تكلفة الصواريخ والمعدات من قبل البنتاجون وبريطانيا وفرنسا، دفعتها ليبيا "على داير المليم" والباقى بعلاقات تجارية وتعاقدات تجارية كبيرة لمرحلة البناء، وحصص بترول بالطبع.
أما فرنسا، فقد تكلفت حربها لمسلمي مالي مائة مليون يورو في شهرها الأول، ولم يكن حرب الإسلاميين هدفها الوحيد، ولكن عجز ميزانيتها جعلها تهدف أيضا إلى ذهب مالي الذي تحتل فيه المركز الثالث عالميا، ومعادنها خاصة اليورانيوم، والرصاص والنحاس والرخام.
ولكن ما مصلحة أمريكا في حرب سوريا؟ لاشىء.. بل روسيا. هنا يلعب الدب الروسي دور تاجر السلاح الأمريكي، فقد قامت الدنيا ولم تقعد حتى الآن عندما نما إلى علم إسرائيل بيع روسيا لسوريا صواريخ اس300 فسافر نتنياهو لموسكو طالبا وقف الصفقة، ثم أوفد رئيس الوزاراء البريطاني كاميرون، لكن دون جدوى فقد وصلت الصواريخ سوريا.
واشتد خوف إسرائيل لأن هناك خلف الستار طائرات روسية وصينية تباع لإيران ومنها إلى سوريا، بينما السعودية –التي تهادن سوريا – حصلت على طائرات متطورة من أمريكا نصبتها في تبوك وتخشى إسرائيل وصولها كذا إلى سوريا.
فهل تحاول أمريكا إيقاف الحرب في سوريا لعدم وجود مكسب لها أم أن مكاسب بيع السلاح الروسي والصيني ستعمل على مد الحرب لفترة أطول وحتى آخر مليم في جيب سوريا وإيران؟
هل تجدي إذن تهيؤات الهيومان رايتس عن الحرية والمساواة بين خلق الله، وتنزعج وتملأ الدنيا صراخا عن حرية المرأة في قيادة سيارة وهي ترى ملايين البشر غارقة في شرور سلاح دول العالم المتحضر الذي لن يشبع دماءا؟ أم أن حقوق الإنسان مجرد وهم تصنعه أمريكا ليعيشه العالم الثالث ويغرق في أحلام يقظته وأمانيه الخادعة في مستقبل بنعم فيه بلقمة عيش وكوب ماء نظيف؟ أم أن الأيادي الأمريكية الأخطبوطية المريضة بالشيزوفرينيا تمتد إحداها فتمسك بوردة، بينما تلتف أخرى حول العنق لتقتل، يد تغرس الخنجر وأخرى تطبطب، يد تلعق الدم وأخرى تسيله، يد تبيد وتقبض الثمن وأخرى تتبرع بسنتات لضحاياها وهي تبتسم - هادئة مطمئنة - لخزائنها المليئة؟
وإذا كانت الحرّة تجوع ولا تأكل بثدييها، فإن أمريكا والغرب كافة لا يجوعون وإنما يملأون أمعاءهم – سيان عندهما بثدييهما أو بغيرهما – ليملأوها بلحوم قتلى البشر ويثملون بكئوس دمائهم.
فهل تقع مصر ضحية لتجار السلاح وتكون زبوناً "سقعا" لدى سوق الطوبة طوبة؟