طارق فكري يكتب: بدلا من الخوف
آخر تحديث: الثلاثاء 21 مايو 2013 - 11:05 م بتوقيت القاهرة
ما الفائدة لو امتلكت كنوز العالم وفقدت عينيك؟ هل تبيع عينيك مقابل مئة مليون دولار؟ هل تقاضيهما بأي شئ في الكون؟ أحمد حرارة فعلها.. إليك قصته: شاب خرج وسط جموع من الشباب خروج المظلومين على الظالمين، خرجوا حالمين ببلادهم حرة وديموقراطية، بلاد رسموها بالألون في خيالاتهم وعزوموا على وضع رسمهم موضع الحقيقة. خرجوا من أجل مصر متقدمة ومزدهرة، خرجوا من أجل مصر مليئة بالعدل والحرية، كل واحد منهم خرج من أجل بلاده، حاملا روحه على كفيه لا يبالي لو سقط صريعا من أجل أن يحيا شعبه حياة كريمة، وترتفع راية بلادة عالية كما حلم وتمنى.
تصدى لهؤء الشباب سياط الجبابرة فحصدت أرواح بعضهم وشوهت آخرين. فقد أحمد حرارة القدرة على العمل كطبيب أسنان بعد أن فقد عيناه الاثنتين. أحمد حرارة ضحى بأغلى ما يمتلك في سبيل بلاده.. عيناه وعمله وكل شئ. لم ييأس ولم يستكين، وإنما قرر استكمال الطريق بما بقي له من قوة وعزم، فانضم لأحد أحزاب الثورة وأضحت عيناه الضريرتان وساما على وجهه، وأصبح جرحه الغائر علامة انتصار له وبارقة أمل لكل من فقدوا الأمل، وتحول بصره المفقود إلى بصيرة تتعدى رؤيتها بمراحل أبصار من أعماهم الجشع وحب السلطان. أحمد حرارة وغيره قدموا كل ما يملكون لبلدهم.. قدموا أرواحهم وأعينهم دونما حيرة أو تردد.
ترى.. هل خرج هؤلاء وضحوا بما ضحوا من أجل أن يصل الحال ببلادهم إلى هذا الحد تحت حكم الإخوان؟ الاستبداد الذين خرجوا من أجل القضاء عليه قد تحول إلى استبداد أقسى وأشد بأسا، الحرية التي نادوا بها في سبيلها للتبخر، البطالة التي طالما عانوا منها في تزايد مستمر، كل شئ خرجوا عليه قد بقي على حاله، بل أسوأ مما كان.
لماذا توقفت الثورة عند هذا الحد؟ هل حط الخوف من عزم الناس فاستكانوا للأمر الواقع مهما كان مرا وكأن البؤس عليهم قدرا مكتوبا لا يجدون منه فكاك؟ هل سيشعر المواطن بالأمن والأمان ما لو رضخ للاستبداد وآثر الابتعاد تاركا للمستبدين الحبل على الغارب دون أن ينبث بصوت معارضة أو إعلان احتجاج؟
إن معظم طرقنا المبنية بأيدي فاسدة تحصد كل يوم عشرات الأرواح لا تعرف في ذلك تفرقة بين صغير وكبير. والعقارات المبنية في دولة انعدام القانون تنهار على رؤوس ساكنيها الآمنين، وضحاياها على أي حال أضعاف ضحايا الثورة. وها هم الذين يموتون ببطء بسبب تردي الخدمات الصحية أكثر وأكثر. فمن ماذا الخوف إذن؟! إننا جميعا في مركب واحد وإن لم نستكمل مشوار الإصلاح حتى النهاية فكلنا عرضة للخطر، والذين يموتون جراء الفساد والاستبداد عددهم مئات أضعاف الذين ماتوا في الثورة وما بعدها.
ما الذي قدمه محمد مرسي من برامج لإصلاح أي مرفق من مرافق الدولة؟ والأمور في تدهور مستمر بينما هو مشغول بترسيخ استبداد جماعته.. استبداد أشد من الاستبداد الساقط . إن كل مواطن في هذا البلد سيتذوق من الظلم حتى وإن آثر الابتعاد، وسوف تطاله أيدي الفساد، حتى وإن انزوى، وسوف تنهال عليه أيدي البطش، حتى وإن سار جنب الحيط. وبدلا من الخوف فلا مناص من اقتلاع كل ظالم، وسحق كل جبار، وإن السبيل لذلك هو النضال مهما بلغت التضحيات من أجل رفعة هذا البلد وصون كرامته وكرامة أهله.
هناك على أرض هذا البلد من يرفضون المهانة والضيم وتأبى شيمهم استشعاره، وهم يفضلون الموت عليه. ولقد ذخرت خزائن هذا الشعب بنماذج كثر من ذاك النمط الكريم، وتباهت مجلدات التاريخ بأمجادهم، ومضت أقلام المؤرخين تلوك بطولاتهم لا تعرف لذلك انقطاعا.
ترى ما الذي يمنع الشعب اليوم من الثورة على النظام القائم؟ طالما أنهم قد رأوا وتأكدوا أن التغيير الذي وقع كان فقط تغيير أشخاص، فهل قتل المئات من الشهداء وفقد آلاف غيرهم أعضائهم من أجل ترسيخ حكم الإخوان؟ هل مقابل تضحية هؤلاء هو استبدال مستبد بآخر فيما السياسات التي ثاروا عليها باقية دون تعديل؟!
الأمن يقمع ولا يتورع أن يسحل مواطنا ويعريه أمام أبواب قصر رئيس مصر الثورة، الثورة التي قامت على القمع والتسلط. ثم يسعى رئيس مصر الثورة للتصالح مع الفاسدين دون حتى أن يفكر في إصلاح ثغرات القوانين التي تحولت من قوانين تحمي المواطنين إلى قوانين حامية للفساد، بينما انشغل مجلسه التشريعي المطعون في دستوريته بتولي معركة الجماعة ضد مفهوم الدولة من الأساس.. وانهمك حد أذقانه في تفصيل قوانين لا تخدم سوى مصالح الجماعة وتعادي بشكل سافر مصالح البلد كلها.
وفي الوقت الذي ينعم قتلة الشهداء وأعمدة الفساد في النظام السابق بالحرية، إذا بأهل الثورة يزج بهم في السجون، وكأنها حرب على الثورة، وعقابا للثائرين، بدأها مبارك يوم الثامن والعشرين من يناير واستكملها من بعده المجلس العسكري، وها هو مرسي يستكمل المسيرة بكل عزيمة وإصرار.
لو عُرِض عليك اليوم صورتان.. إحداهما لمبارك والأخرى لمرسي ثم طُلِب منك أن تخرج اختلافا بينهما غير اللحية، فأنا على يقين أنك سوف تصاب بالحيرة، وستستمر في البحث والتنقيب وقتا طويلا، ثم لن تصل في نهاية الأمر إلى نتيجة.
ترى.. هل ستذهب تضحيات الأبرار سدى؟ وهل ستنتهي الحكاية عند هذا الحد؟ حركة تمرد اليوم فرصة لنزع ما بقي من شرعية لهذا النظا، ولا يحتج أحد بدعوى المدة الدستورية، فالبرلمانات تنتخب لمدة معينة وتحل قبلها في أعتى الدول الديموقراطية عند تعثر المسار السياسي. إجراء انتخابات رئاسية مبكرة هو الحل، والضغط على مرسي للقيام بتلك الخطوة ينبغي أن يكون محور النضال الأساسي لشعبنا خلال الفترة الحالية.