سيد حماد أبو النصر يكتب: العنزة المباركة

آخر تحديث: الأربعاء 22 مايو 2013 - 12:40 ص بتوقيت القاهرة

إن تاريخ مصر على امتداد عصورها يكاد يكون وحدة واحدة لما يحمل من التواصل التاريخي، والذي قلّ أن يوجد في الكثير من تاريخ الأمم. فتشعرك الأحداث التي نعيشها الآن بأنها تلك الأحداث التي عاشتها مصر منذ قرون. فحينما يُمارَس الاستبداد والتسلط، تجد صفحات تاريخنا تفيض بمثل هذه الممارسات.

 

حينما تقرأ عن القروض وحجم الدين الخارجي فضلا عن الداخلي، تعود بذاكرتك إلى عهد الخديوي سعيد وإسماعيل، وكيف كانت هذه القروض والديون سبباً لبيع أسهم مصر في القناة ثم التدخل الأجنبي في شئون مصر، وبعدها مباشرة كان الاحتلال الإنجليزي لمصر. وحينما تقرأ عن حالة الشقاء التي عاناها المصريون وهم يسخّرون في حمل الأحجار لبناء الأهرامات، ستجد نفس الشقاء وهم يحفرون قناة السويس أو ترعة المحمودية، وهو نفس حال المصريين وهم يُحرَقون في القطارات بالمئات أو يغرقون في العبارات ومراكب الهجرة المهلهلة بالآلاف.

 

وما حدث في عهد عبد الناصر من دكتاتورية وتهميش لمعارضيه وانفراده المطلق بالسلطة والقرار وعلاقته السيئة بالإخوان المسلمين- هو تماما ما تحاول جماعة الإخوان استدعاءه مع أطراف المعارضة ومؤسسات أخرى، مع اختلاف المواقع وتبادل الأدوار، مع تغير نوعي في الأسلوب والصياغة، وثبات الهدف والاستراتيجية. فهل الخلل في عين المكان أم في نفس الإنسان؟ أما آن الأوان لتكون هذه الصفحات المتشابهة والمطّردة في تاريخنا نبراسا ووقودا يدفعنا قدما إلى النهضة والتقدم وعدم تكرار تلك الصفحات والمشاهد المقيتة أم أننا سنظل ندور في حلقة البؤس والتخلف والاضطراب؟!

 

ومن القصص الطريفة التي يتجدد معناها كل حين على اختلاف الزمان وبقاء المكان، والتي رواها كثيرون، هي قصة هذه العنزة، والتي ذاع خبرها في مصر منذ عدة قرون، كما يرويها الجبرتي، ومختصرها أن بعض الجنود المصريين وقعوا أسرى في إحدى الحروب وكان معهم عنزة، فأراد من أسرهم أن يستولى عليها، فأخذها منهم. ولكنه رأى في منامه رؤيا مزعجة فأدرك أنها عنزة مباركة، فأعادها إلى الجند وأطلق سراحهم.

 

رجع الجنود إلى القاهرة ومعهم العنزة متجهين إلى مسجد السيدة نفيسة، وباتوا ليلتهم هناك. وفي الصباح أشيع أن العنزة اعتلت المنارة وكلمت الناس ونصحتهم. كان للمسجد خادم اسمه الشيخ عبد اللطيف، الذي أدرك الفائدة العظيمة التي ستعود عليه من ترويج وتسويق هذه العنزة، فأشاع أن السيدة نفيسة خاطبته وأوصته بالعنزة خيراً. فتوافد الناس على المسجد لرؤيتها والتبرك بها والتبرع بما تجود به أنفسهم، وانفتح باب الرزق والرغد للشيخ عبد اللطيف، فوضع تسعيرة للرؤية وأخرى للتمسح والتبرك، وانهالت الهدايا والنذور على الشيخ الدجال، وأرسلت الأميرات وزوجات الوجهاء والكبراء القلائد الذهبية والأساور للشيخ من أجل تزيين العنزة المباركة.

 

وكان بمصر أمير أكثر وعيا ورفضاً لهذه الخرافات، فأرسل إلى الشيخ عبد اللطيف لكي يأتي لزيارته وبصحبته العنزة المباركة حتى يتمكن أهل بيته من التبرك بها، ففرح الشيخ بهذه النقلة النوعية، فامتطى بغلته وحمل العنزة وسار إلى قصر الأمير في موكب مهيب تحيط به الجموع من كل صوب حتى يشاهدوا هذه العنزة المعجزة.

 

دخل الشيخ قصر الأمير دخول الفاتحين، واستأذنه الأمير أن تدخل العنزة جناح الحريم لكي يتمكنوا من رؤيتها، فحملها الخدم إلى المطبخ حيث ذُبحت وسلخت وطبخت، بينما الشيخ عبد اللطيف يتصدر المجلس ويحكي مزيدا من كرامات العنزة المباركة. ثم قُدم الغداء وانهالت الأيدي على العنزة أكلا وتقطيعا، والأمير يحث الشيخ على الأكل من اللحم والاستزادة منه.

 

نهض الشيخ بعد أن فرغ من الطعام والشراب مستأذنا وطالبا عنزته، فقال الأمير أي عنزة تقصد؟ فأجابه الشيخ: العنزة المباركة التي دخلت عند الحريم، فقال له الأمير: العنزة لم تدخل مطلقا عند الحريم، ولكنها دخلت بطنك أيها الكاذب الفاجر الأفاق. وأمر غلمانه بضربه ستين عصا على رجليه، ثم أمر بجلد العنزة، فطرحه على رأسه وطاف به الجند شوارع القاهرة ليكون عبرة لغيره من الأفاقين والنصابين الذين يستغلون عاطفة الناس تجاه دينهم والدين منها براء.

 

ضحكت كثيرا بعد قراءتي لهذه القصة لطرافتها وواقعيتها ومغزاها وتجددها في الكثير من العصور بمنطق جديد وثوب مختلف، فلا يزال أنداد الشيخ عبد اللطيف يمارسون استغلالهم ومتاجرتهم بحوائج الناس وفقرهم تارة، وبعواطفهم وحبهم وتحمسهم لدينهم تارة أخرى، لينالوا منصبا أو يحصدوا شعبية أو أغلبية، ولكن الدين أسمى وأرفع وأجل من ذلك، وسينجلي أمرهم وسينكشف كذبهم وسيلقون مصير شيخهم، فالدين ليس مجرد شعارات وهتافات فارغة، بل الدين عقيدة وعبادات ومعاملات ومصداقية وموضوعية وقوة وأمانة وإحسان ومنهج وإدارة وحسن تخطيط وتدبير وإعلاء للصالح العام على المصالح الفردية والحزبية الضيقة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved